الخميس، ديسمبر 30، 2010

بردة كعب بن زهير

بـانَتْ سُـعادُ فَـقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ * مُـتَـيَّمٌ إثْـرَها لـم يُـفَدْ مَـكْبولُ
وَمَـا سُـعَادُ غَـداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا * إِلاّ أَغَـنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
هَـيْـفاءُ مُـقْبِلَةً عَـجْزاءُ مُـدْبِرَةً * لا يُـشْتَكى قِـصَرٌ مِـنها ولا طُولُ
تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ * كـأنَّـهُ مُـنْـهَلٌ بـالرَّاحِ مَـعْلُولُ
شُـجَّتْ بِـذي شَـبَمٍ مِنْ ماءِ مَعْنِيةٍ * صـافٍ بأَبْطَحَ أضْحَى وهْو مَشْمولُ
تَـنْفِي الـرِّياحُ القَذَى عَنْهُ وأفْرَطُهُ * مِـنْ صَـوْبِ سـارِيَةٍ بِيضٌ يَعالِيلُ
أكْـرِمْ بِـها خُـلَّةً لـوْ أنَّها صَدَقَتْ * مَـوْعودَها أَو لَوَ أَنِّ النُّصْحَ مَقْبولُ
لـكِنَّها خُـلَّةٌ قَـدْ سِـيطَ مِنْ دَمِها * فَـجْـعٌ ووَلَـعٌ وإِخْـلافٌ وتَـبْديلُ
فـما تَـدومُ عَـلَى حـالٍ تكونُ بِها * كَـما تَـلَوَّنُ فـي أثْـوابِها الـغُولُ
ولا تَـمَسَّكُ بـالعَهْدِ الـذي زَعَمْتْ * إلاَّ كَـما يُـمْسِكُ الـماءَ الـغَرابِيلُ
فـلا يَـغُرَّنْكَ مـا مَنَّتْ وما وَعَدَتْ * إنَّ الأمـانِـيَّ والأحْـلامَ تَـضْليلُ
كـانَتْ مَـواعيدُ عُـرْقوبٍ لَها مَثَلا * ومــا مَـواعِـيدُها إلاَّ الأبـاطيلُ
أرْجـو وآمُـلُ أنْ تَـدْنو مَـوَدَّتُها * ومـا إِخـالُ لَـدَيْنا مِـنْكِ تَـنْويلُ
أمْـسَتْ سُـعادُ بِـأرْضٍ لا يُـبَلِّغُها * إلاَّ الـعِتاقُ الـنَّجيباتُ الـمَراسِيلُ
ولَـــنْ يُـبَـلِّغَها إلاّ غُـذافِـرَةٌ * لـها عَـلَى الأيْـنِ إرْقـالٌ وتَبْغيلُ
مِـنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إذا عَرِقَتْ * عُـرْضَتُها طـامِسُ الأعْلامِ مَجْهولُ
تَـرْمِي الـغُيوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرَدٍ لَهِقٍ * إذا تَـوَقَّـدَتِ الـحَـزَّازُ والـمِيلُ
ضَـخْـمٌ مُـقَـلَّدُها فَـعْم مُـقَيَّدُها * فـي خَلْقِها عَنْ بَناتِ الفَحْلِ تَفْضيلُ
غَـلْـباءُ وَجْـناءُ عَـلْكوم مُـذَكَّرْةٌ * فــي دَفْـها سَـعَةٌ قُـدَّامَها مِـيلُ
وجِـلْـدُها مِـنْ أُطـومٍ لا يُـؤَيِّسُهُ * طَـلْحٌ بـضاحِيَةِ الـمَتْنَيْنِ مَهْزولُ
حَـرْفٌ أخـوها أبـوها مِن مُهَجَّنَةٍ * وعَـمُّـها خـالُها قَـوْداءُ شْـمِليلُ
يَـمْشي الـقُرادُ عَـليْها ثُـمَّ يُزْلِقُهُ * مِـنْـها لِـبانٌ وأقْـرابٌ زَهـالِيلُ
عَـيْرانَةٌ قُذِفَتْ بالنَّحْضِ عَنْ عُرُضٍ * مِـرْفَقُها عَـنْ بَـناتِ الزُّورِ مَفْتولُ
كـأنَّـما فـاتَ عَـيْنَيْها ومَـذْبَحَها * مِـنْ خَـطْمِها ومِن الَّلحْيَيْنِ بِرْطيلُ
تَـمُرُّ مِـثْلَ عَسيبِ النَّخْلِ ذا خُصَلٍ * فـي غـارِزٍ لَـمْ تُـخَوِّنْهُ الأحاليلُ
قَـنْواءُ فـي حَـرَّتَيْها لِـلْبَصيرِ بِها *عَـتَقٌ مُـبينٌ وفـي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ
تُـخْدِي عَـلَى يَـسَراتٍ وهي لاحِقَةٌ * ذَوابِــلٌ مَـسُّهُنَّ الأرضَ تَـحْليلُ
سُمْرُ العَجاياتِ يَتْرُكْنَ الحَصَى زِيماً * لـم يَـقِهِنَّ رُؤوسَ الأُكْـمِ تَـنْعيلُ
كــأنَّ أَوْبَ ذِراعَـيْها إذا عَـرِقَتْ * وقــد تَـلَـفَّعَ بـالكورِ الـعَساقيلُ
يَـوْماً يَـظَلُّ به الحِرْباءُ مُصْطَخِداً * كـأنَّ ضـاحِيَهُ بـالشَّمْسِ مَـمْلولُ
وقـالَ لِـلْقوْمِ حـادِيهِمْ وقدْ جَعَلَتْ * وُرْقَ الجَنادِبِ يَرْكُضْنَ الحَصَى قِيلُوا
شَـدَّ الـنَّهارِ ذِراعـا عَيْطَلٍ نَصِفٍ * قـامَـتْ فَـجاوَبَها نُـكْدٌ مَـثاكِيلُ
نَـوَّاحَةٌ رِخْـوَةُ الـضَّبْعَيْنِ لَيْسَ لَها * لَـمَّا نَـعَى بِـكْرَها النَّاعونَ مَعْقولُ
تَـفْرِي الُّـلبانَ بِـكَفَّيْها ومَـدْرَعُها * مُـشَـقَّقٌ عَـنْ تَـراقيها رَعـابيلُ
تَـسْعَى الـوُشاةُ جَـنابَيْها وقَـوْلُهُمُ * إنَّـك يـا ابْـنَ أبـي سُلْمَى لَمَقْتولُ
وقــالَ كُـلُّ خَـليلٍ كُـنْتُ آمُـلُهُ * لا أُلْـهِيَنَّكَ إنِّـي عَـنْكَ مَـشْغولُ
فَـقُـلْتُ خَـلُّوا سَـبيلِي لاَ أبـالَكُمُ * فَـكُلُّ مـا قَـدَّرَ الـرَّحْمنُ مَفْعولُ
كُـلُّ ابْـنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ * يَـوْماً عـلى آلَـةٍ حَـدْباءَ مَحْمولُ
أُنْـبِـئْتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَـدَني * والـعَفْوُ عَـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُولُ
وقَـدْ أَتَـيْتُ رَسُـولَ اللهِ مُـعْتَذِراً * والـعُذْرُ عِـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَقْبولُ
مَـهْلاً هَـداكَ الـذي أَعْطاكَ نافِلَةَ * الْـقُرْآنِ فـيها مَـواعيظٌ وتَـفُصيلُ
لا تَـأْخُذَنِّي بِـأَقْوالِ الـوُشاة ولَـمْ * أُذْنِـبْ وقَـدْ كَـثُرَتْ فِـيَّ الأقاويلُ
لَـقَدْ أقْـومُ مَـقاماً لـو يَـقومُ بِـه * أرَى وأَسْـمَعُ مـا لـم يَسْمَعِ الفيلُ
لَـظَلَّ يِـرْعُدُ إلاَّ أنْ يـكونَ لَهُ مِنَ * الَّـرسُـولِ بِــإِذْنِ اللهِ تَـنْـويلُ
حَـتَّى وَضَـعْتُ يَـميني لا أُنازِعُهُ * فـي كَـفِّ ذِي نَـغَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ
لَــذاكَ أَهْـيَبُ عِـنْدي إذْ أُكَـلِّمُهُ * وقـيـلَ إنَّـكَ مَـنْسوبٌ ومَـسْئُولُ
مِـنْ خـادِرٍ مِنْ لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ * مِـنْ بَـطْنِ عَـثَّرَ غِيلٌ دونَهُ غيلُ
يَـغْدو فَـيُلْحِمُ ضِـرْغامَيْنِ عَيْشُهُما * لَـحْمٌ مَـنَ الـقَوْمِ مَـعْفورٌ خَراديلُ
إِذا يُـسـاوِرُ قِـرْناً لا يَـحِلُّ لَـهُ * أنْ يَـتْرُكَ الـقِرْنَ إلاَّ وهَوَمَغْلُولُ
مِـنْهُ تَـظَلُّ سَـباعُ الـجَوِّ ضامِرَةً * ولا تَـمَـشَّى بَـوادِيـهِ الأراجِـيلُ
ولا يَــزالُ بِـواديـهِ أخُـو ثِـقَةٍ * مُـطَرَّحَ الـبَزِّ والـدَّرْسانِ مَأْكولُ
إنَّ الـرَّسُولَ لَـسَيْفٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ * مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ
فـي فِـتْيَةٍ مِـنْ قُـريْشٍ قالَ قائِلُهُمْ * بِـبَطْنِ مَـكَّةَ لَـمَّا أسْـلَمُوا زُولُوا
زالُـوا فـمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ * عِـنْـدَ الِّـلقاءِ ولا مِـيلٌ مَـعازيلُ
شُــمُّ الـعَرانِينِ أبْـطالٌ لُـبوسُهُمْ * مِـنْ نَـسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ
بِـيضٌ سَـوَابِغُ قـد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ * كـأنَّـها حَـلَقُ الـقَفْعاءِ مَـجْدولُ
يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ * ضَـرْبٌ إذا عَـرَّدَ الـسُّودُ التَّنابِيلُ
لا يَـفْـرَحونَ إذا نَـالتْ رِمـاحُهُمُ * قَـوْماً ولَـيْسوا مَـجازِيعاً إذا نِيلُوا
لا يَـقَعُ الـطَّعْنُ إلاَّ فـي نُحورِهِمُ * ومـا لَهُمْ عَنْ حِياضِ الموتِ تَهْليلُ

الجمعة، ديسمبر 17، 2010

صلاح جاهين - الشاي باللبن

أربــع إيديــــــــن علـــــى الفطـــــــار
أربــع شفــايف يشـربوا الشـاى باللبن
ويبوسـوا بعض ويحضـنوا نور النهار
بيـن صـدرها وصـدره وبيـن البَسمتين
ويحضـــنوا الحــب اللى جمّعــهم سوا
على الفطـار


ويحضـنوا الشمـس اللى بتهـز الستـار
وتخش مــن بيــن الخيـوط وبعضـــها
مـــع الهــوا
للأودة ترســم نفــسها على أرضـــها
على البساط اللى اشتروه مـع الجهـاز
على الغرام اللى اشتروه من غير تمن
وعلى القزاز
ويشربوا الشـاى باللبن
فى فنجـالين


على الفطار أربع إيدين
ودبلتين
بيصّحــوا قلبــى كــل ليلــة فى المنـام
وبيكتبــــولى بلـــــوَّن منــــوَّر فزدقى
على الهوا الأسود وع الجفن اللى نام
كلمة "سلام"
أغسطس 1952

* الأعمال الكاملة لصلاح جاهين - أشعار العامية المصريّة - الأهرام

الجمعة، ديسمبر 03، 2010

سيّد حجاب - غنا

ودّى أغنى لنجمة الفجرية
ولبنت حلوة شفتها ف برقاش
وللفانوس لمّا رقص عَ الميّه
ولكلمة حلوة فِ بالى ولا قلتهاش
وللسرايا أم أربعين سلّم
وللقهاوى والشيلان والشاش
ولضحكة الدناميت مع الفُعلة
لمّا الجبل طاطا لواد ما طاطاش
ولرقصة السندان و العتلة
ولفرحة الفلاح بالغلّة
ودّى اغنى لابنى لكنى
أوان غنايا ما جاش

* ديوان " مختارات من شعر سيد حجاب " – مكتبة الأسرة 2005 
** القصيدة أغنية بصوت كاميليا جبران وفرقة صابرين معدلة

الاثنين، نوفمبر 22، 2010

فؤاد حداد - قصيدة غلط، أزمة دموع

كان فيه بلد بتنام وتصحى بتشكي من أزمة دموع، مخفيّه عند البقّالين، ماليه الصفايح واشوِلَه. صحّحت بالقلم الرصاص. ماليه صفايح و اشولَه واقفاص. رجعت مسحت كان شافني اللي شافني وفز قال لي: سيب وخلّي، الكلام ده كله باطل لا يجوز، ما قلت لوش الوحي عوّدني على حريّته وحريّتي أول ما يطلقني النَفَس يعميني ألقى شمالي في يميني وأمامي ورايا وأصبح زي "مُلْك الشمس" داير مستقيم، سمّعتُه ريقي وقلت قصدك إيه؟ شخط لازم كلامك يبقى خدّامك مش انت الشاعر العمياني والهَمَيَاني خدّام الكلام. أنا قلت آسف توّي واقع من سلالم نور وزهر وكنت باحلم إني ملهم إني ساكن بورسعيد مارحتهاش أبداً وكان جاري نبيل منصور وآسف يا هصور، شايف جمال القافيه لمّا تاخدني وتجيبني، أبويا ضحك لي وابني والجناين شطّبت في المغربيّه وروّحتني وريّحتني بالسلام والطبطبه أنا راح أعيّط ليه من الحسن اللي كان في الحزن والطيبه والاستشهاد واقول:  كان فيه بلد بتنام وتصحى بتشكي من أزمة دموع.

* ديوان ميت بوتيك - دار المستقبل العربي - 1985

الجمعة، نوفمبر 12، 2010

ابن زريق البغدادي - لا تعذليه

لا نعرف لإبن زريق البغدادي إلا يتيمته الشهيرة "لا تعذليه فإن العذل يوجعه". فقد رحل شاعرنا الفقير البغدادي إلى الأندلس كي يمدح خليفتها وأمرائها، ذهب إلى لقاء حظه من المال والعطاء فلم يجد إلا الجفاء. ولما ضاقت به الممالك بما رحبت لغيره من الشعراء، استسلم لقضاءه الأخير بعد أن ترك هذه القصيدة على فراش موته.

*

لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ
جاوَزتِ فِي نصحه حَداً أَضَرَّبِهِ مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ النصح يَنفَعُهُ
فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ فَضُيَّقَت بِخُطُوبِ الدهرِ أَضلُعُهُ
يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ
ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ
كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ
إِذا الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنىً وَلَو إِلى السَندّ أَضحى وَهُوَ يُزمَعُهُ
تأبى المطامعُ إلا أن تُجَشّمه للرزق كداً وكم ممن يودعُهُ
وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ رزقَاً وَلا دَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ
قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ لَم يَخلُق اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ
لَكِنَّهُم كُلِّفُوا حِرصاً فلَستَ تَرى مُستَرزِقاً وَسِوى الغاياتِ تُقنُعُهُ
وَالحِرصُ في الرِزقِ وَالأَرزاقِ قَد قُسِمَت بَغِيُ أَلّا إِنَّ بَغيَ المَرءِ يَصرَعُهُ
وَالدهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُه إِرثاً وَيَمنَعُهُ مِن حَيثِ يُطمِعُهُ
اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
لا أَكُذبُ اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ
إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ بِالبينِ عِنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ
رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ
وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا شَكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ
اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ كَأساً أَجَرَّعُ مِنها ما أَجَرَّعُهُ
كَم قائِلٍ لِي ذُقتُ البَينَ قُلتُ لَهُ الذَنبُ وَاللَهِ ذَنبي لَستُ أَدفَعُهُ
أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ لَو أَنَّنِي يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ
إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفقُها بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ
بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلى لَستُ أَهجَعُهُ
لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعُ وَكَذا لا يَطمَئِنُّ لَهُ مُذ بِنتُ مَضجَعُهُ
ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدهرَ يَفجَعُنِي بِهِ وَلا أَنَّ بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ
حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا بِيَدٍ عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ
قَد كُنتُ مِن رَيبِ دهرِي جازِعاً فَرِقاً فَلَم أَوقَّ الَّذي قَد كُنتُ أَجزَعُهُ
بِاللَهِ يا مَنزِلَ العَيشِ الَّذي دَرَست آثارُهُ وَعَفَت مُذ بِنتُ أَربُعُهُ
هَل الزَمانُ مَعِيدُ فِيكَ لَذَّتُنا أَم اللَيالِي الَّتي أَمضَتهُ تُرجِعُهُ
فِي ذِمَّةِ اللَهِ مِن أَصبَحَت مَنزلَهُ وَجادَ غَيثٌ عَلى مَغناكَ يُمرِعُهُ
مَن عِندَهُ لِي عَهدُ لا يُضيّعُهُ كَما لَهُ عَهدُ صِدقٍ لا أُضَيِّعُهُ
وَمَن يُصَدِّعُ قَلبي ذِكرَهُ وَإِذا جَرى عَلى قَلبِهِ ذِكري يُصَدِّعُهُ
لَأَصبِرَنَّ على دهر لا يُمَتِّعُنِي بِهِ وَلا بِيَ فِي حالٍ يُمَتِّعُهُ
عِلماً بِأَنَّ اِصطِباري مُعقِبُ فَرَجاً فَأَضيَقُ الأَمرِ إِن فَكَّرتَ أَوسَعُهُ
عَسى اللَيالي الَّتي أَضنَت بِفُرقَتَنا جِسمي سَتَجمَعُنِي يَوماً وَتَجمَعُهُ
وَإِن تُغِلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتَهُ فَما الَّذي بِقَضاءِ اللَهِ يَصنَعُهُ

* للمزيد عن القصيدة وشاعرها .. هنا وهنا.

الأربعاء، نوفمبر 03، 2010

فدوى طوقان - جريمة قتل في يوم ليس كالأيام

(إلى روح الطالبة الشهيدة منتهى حوراني)


ويوم امتطى صهوةَ العالم الصعب يحمل غصناً بيدْ
ويحمل سيفاً بيدْ
ويوم الحبيبة في الأسر هبّتْ عليها الرياح
محملةً باللقاح
جرت منتهى
تُعلّق أقمار أفراحها في السماء الكبيره
وتعلن أنَّ المطاف القديم انتهى
وتعلن أنَّ المطاف الجديد ابتدا


(بغرفتها أمها المتعبه
تلملم أوراقها المدرسية:
حذار العدى يا بنيه
فعين العدو تصيب )
وما كذب القلب، كان عدو الحياة يطاردها في المسيره
وينشب في عنقها مخلبه
*
تفتّحَ مريولها في الصباح
شقائق حمراً وباقات ورد
وعادت إلى الكتب المدرسية كل سطور الكفاح التي حذفوها
وعادت إلى الصفحات خريطة أمس التي طمسوها
ورفرف مريولها رايةً في صفوف المدارس. رفرف وامتدَّ
ظلّل في الضفة المشرئبه
شوارعها المغضبه
واشجارها المثقلات، ورفرف مريولها في النوافذ –
فوق سطوح المنازل فوق رفوف الدكاكين-
ظلّل في الضفة المشرئبه
مساجدها والكنائس، ظللها قبةً تلو قبّه
*
وما قتلوا منتهى وما صلبوها
ولكنّما صعدت منتهى
تُعلّق أقمار أفراحها في السماء الكبيره
وتعلن أنَّ المطاف القديم انتهى
وتعلن أنَّ المطاف الجديد ابتدا


فدوى طوقان - الأعمال الشعرية الكاملة - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت

الأحد، أكتوبر 17، 2010

أمل دنقل - لا وقت للبكاء

لا وقت للبكاء
فالعلم الذى تنكسينه.. على سرادق العزاء
منكس فى الشاطئ الآخر،
والأبناء..
يستشهدون كى يقيموه.. على "تبة"،
العلم المنسوج من حلاوة النصر ومن مرارة النكبة
خيطاً من الحب.. وخيطين من الدماء
العلم المنسوج من خيام اللاجئين للعراء
ومن مناديل وداع الأمهات للجنود:
فى الشاطئ الآخر..
ملقى فى الثرى
ينهش فيه الدود،
ينهش فيه الدود.. واليهود
فانخلعى من قلبك المفئود
فها على أبوابك السبعة، يا طيبة..
يا طيبة الأسماء:
يُقْعَى أبو الهول،
وتُقعى أمة الأعداء
مجنونة الأنياب والرغبة..
تشرب من دماء أبنائك قربة.. قربة
تفرش أطفالك فى الأرض بساطاَ..
للمدرعات والأحذية الصلبة
وأنت تبكين على الأبناء،
تبكين؟
يا ساقية دائرة ينكسر الحنين..
فى قلبها، ونيلك الجارى على خد النجوع
مجرى دموع
ضفافه: الأحزان والغربة،
تبكين؟ من تبكين؟
وأنت ـ طول العمر ـ تشقين، وتحصدين..
مرارة الخيبة
وأنت ـ طول العمر ـ تبقين، وتنجبين..
مقاتلين.. فمقاتلين.. فى الحلبة

*

الشمس (هذه التى تأتى من الشرق بلا استحياء)
كيف ترى تمر فوق الضفة الأخرى..
ولا تجئ مطفأةْ؟
والنسمة التى تمر فى هبوبها على مخيم الأعداء
كيف ترى نشمها.. فلا تسد الأنف؟
أو تحترق الرئة؟
وهذه الخرائط التى صارت بها سيناء
عبرية الأسماء
كيف نراها.. دون أن يصيبنا العمى؟
والعار.. من أمتنا المجزأة؟
.. والطفلة الصغيرة العذبة
تطلق ـ فوق البيت ـ "طيارتها" البيضاء
كيف ترى تكتب فى كراسة الإنشاء
عن بيتها المهدوم فوق الأب.. واللعبة ؟
وأمى التى تظل فى فناء البيت منكبة
مقروحة العينين، مسترسلة الرثاء
تنكث بالعود على التربة:
رأيتها: الخنساء
ترثى شبابها المستشهدين فى الصحراء
رأيتها: أسماء
تبكى ابنها المقتول فى الكعبة،
رأيتها: شجرة الدر..
ترد خلفها الباب على جثمان (نجم الدين)
تعلق صدرها على الطعنة والسكين
فالجند فى الدلتا
ليس لهم أن ينظروا إلى الوراء
أو يدفنوا الموتى
إلا صبيحة الغد المنتصر الميمون

... ... ...

(.. والتين والزيتون
وطور سنين، وهذا البلد المحزون
لقد رأيت يومها: سفائن الإفرنج
تغوص تحت الموج
وملك الإفرنج
يغوص تحت السرج
وراية الإفرنج
تغوص، والأقدام تفرى وجهها المعوج،
.. وهأنا ـ الآن ـ أرى فى غدك المكنون:
صيفا كثيف الوهج
ومدناً ترتج
وسفناً لم تنج
ونجمة تسقط ـ فوق حائط المبكى ـ إلى التراب
وراية (العُقاب)
ساطعة فى الأوج ..)

*

والتين والزيتون
وطور سنين، وهذا البلد المحزون
لقد رأيت ليلة الثامن والعشرين..
من سبتمبر الحزين:
رأيت فى هتاف شعبى الجريح
(رأيت خلف الصورة)
وجهك.. يا منصورة،
وجه لويس التاسع المأسور فى يدى صبيح

... ... ...

رأيت فى صبيحة الأول من تشرين
جندك.. يا حطين
يبكون،
لا يدرون..
أن كل واحد من الماشين
فيه.. صلاح الدين!

28 سبتمبر 1970

ديوان تعليق على ما حدث - أمل دنقل الاعمال الشعرية - مكتبة مدبولي

الخميس، سبتمبر 16، 2010

محمود درويش - نزل على البحر

نُزْلٌ على بحرٍ : زيارتُنا قصيرهْ
وحديثُنا نُقَطٌ من الماضي المهشم منذ ساعهْ
من أيِّ أبيض يبدأ التكوينُ؟
أنشأْ جزيره
لجنوب صرختنا. وداعاً يا جزيرتنا الصغيرهْ

لم نأتِ من بلدٍ إلى هذا البلدْ
جئنا من الرُّمَّان، من سرِّيس ذاكرةٍ أتينا
من شظايا فكرةٍ جئنا إلى هذا الزبدْ
لا تسألونا كم سنمكث بينكم، لا تسألونا
أيَّ شيء عن زيارتنا. دعونا
نفرغُ السفَنَ البطيئة من بقيَّة روحنا ومن الجسدْ
نُزْلٌ على بحرٍ: زيارتنا قصيرهْ
والأرضُ أصغر من زيارتنا. سنرسل للمياهِ
تُفَّاحةً أخرى، دوائَر، أين نذهبُ
حين نذهبُ؟ أين نرجعُ حين نرجعُ؟ يا إلهي
ماذا تبقَّى من رياضة روحنا ؟ ماذا تبقَّى من جهاتِ
ماذا تبقَّى من حدود الأرض ؟ هل من صخرةٍ أَخرى
نُقَدِّم فوقها قربانَ رحمتك الجديدْ؟
ماذا تبقَّى من بقايانا لنرحلَ من جديد؟

لا تُعطِنا، يا بحرُ، ما لا نستحقُّ من النشيد

للبحر مهنتهُ القديمهْ:
مدٌّ وجزرٌ،
للنساء وظيفةٌ أولى هي الإغراءُ،
للشعراء أن يتساقطوا غمّاً
وللشهداء أن يتفجروا حُلُماً
وللحكماء أن يستدرجوا شعباً إلى الوهم السعيدْ

لا تُعطِنا، يا بحرُ، ما لا نستحقُّ من النشيدْ

لم نأتِ من لُغة المكان إلى المكانْ
طالت نباتاتُ البعيدِ وطالَ ظلُّ الرمل فينا وانتشرْ
طالت زيارتنا القصيرةُ. كم قمرْ
أهدى خواتمهُ إلى مَنْ ليس منَّا. كم حجرْ
باضَ السنونو في البعيد وكم سنهْ
سننام في نُزْلٍ على بحرٍ وننتظر المكانْ
ونقول: بعد هنيهة أخرى سنخرج من هنا
متنا من النومِ، انكسرنا ههنا
أفلا يدوم سوى المؤقَّت يا زمان البحر فينا؟
لا تُعطِنا، يا بحرُ، ما لانستحقُّ من النشيدْ

ونريد أن نحيا قليلاً، لا لشيءٍ
بل لنرحل من جديدْ
لا شيء من أسلافنا فينا ولكنَّا نريدْ
بلادَ قهوتنا الصباحيّهْ
ونريدُ رائحة النباتات البدائيهْ
ونريدُ مدرسةً خصوصيهْ
ونريد مقبرةً خصوصيهْ
ونريد حريّهْ
في حجمِ جمجمةٍ.. وأغنيَّهْ

لا تُعطِنا، يا بحرُ، ما لا نستحقُّ من النشيدْ

.. ونريد أن نحيا قليلاً كي نعود لأيِّ شيء
لم نأتِ كي نأتي..
رمانا البحرُ في قرطاجَ أصدافاً ونجمهْ
من يذكر الكلمات حين توَهَّجتْ وطناً
لمن لا بابَ لَهْ؟
مَنْ يذكُر البدو القدامى حينما استولوا على الدنيا.. بكلمهْ؟
من يذكر القتلى وهم يتدافعون لفضِّ أسرار الخرافهْ؟
ينسوننا، ننساهُمُ، تحيا الحياةُ حياتها
من يذكر الآن البداية والتتمهْ؟
ونريد أن نحيا قليلاً كي نعود لأيَّ شيء
أيِّ شيءٍ
أيِّ شيءٍ
لِبدايٍة، لجزيرةٍ، لسفينةٍ، لنهايةٍ
لأِذان أرملةٍ، لأقبيةٍ، لخيمهْ
طالت زيارتنا القصيرهْ،
والبحر فينا مات من سَنَتَيْنِ.. مات البحرُ فينا

لا تعطنا يا بحر، ما لا نستحقُّ من النشيدْ.


ديوان هي أغنية هي أغنية - الأعمال الكاملة لمحمود درويش - الأعمال الأولى - المجلد الثالث - دار رياض الريس

الثلاثاء، سبتمبر 14، 2010

محمد كُشيك - النهار ده

أنا حزين النهار ده
زَغزَغت روحى لقيتها ما بتضحَكش
ورفعت راسى لفوق
الابتسام ما طالكش
والقافية هربانة مِنّى والله ما عرف فين
ألفين عروسه فى بالى بيرقصوا حافيين
سرقونى وانا عريان
.. المزلقان على ناصية الشارع
والأجزاخانه فى آخر العِنوان
.. دَلدَقت عقلى فى برطمان ضايع
وقفَلت بالغطيان
أطياف من التخاريف وريف أخضَر
وبَرَاح بيفتَح جَرح فى الجدران
أفران بتغلِى تحت قفطانى
وبلّورات بتطير و شافطانى
.. أنا الأسير فى الضباب


* محمد كُشيك - العشش القديمة - الهيئة العامة للكتاب

الأحد، أغسطس 29، 2010

عبد الرحمن الأبنودي - وجوه على الشط - مقطع من (في بلاد التهجير)

أخضر يا ورق النعناع
أبيض يا زهر التفاح
صوتك ليه في الجو حزين يا ديك الصبح .. ؟
ليه .. ؟ مع إن صباحنا أحلى صباح .. ؟
يا لله يا ناس بينا عَ الأرض ..
يا لله يا بو القردان خلفي ..
واتمخطر تاني زي زمان.
لسه في الأرض ديدان يا بو القردان.
وحتفضل طول الدنيا .. الأرض ..
يكون فيها ديدان.
إنشالله ولعت شظو ودْان..
راح نزرع فيها يا بو القردان
وانتَ تنقي الديدان.
مهما الموت طلَّع مصارين الأرض ..
برضه حييجي بكره ..
وبرضه حيزرعها الإنسان.
إتسعْري يا حرب.
هاتي كل ما عندك.
أنا والأرض ..
مش ممكن حنسيب بعض.


* ديوان وجوه على الشطّ - الهيئة العامة للكتاب - عام 1975 (مكتبة الأسرة - سلسلة الأدب - مختارات من الشاعر عبد الرحمن الأبنودي - 2006)

الجمعة، أغسطس 20، 2010

فؤاد حداد - عشنا وشفنا

دقّ اللاســـــلـكي بـالأهوان
الناس دي فاكره الحُبّ هوان!
يا اخضر بقيت كل الألوان
إلّا الأخضر

دقّ اللاسـلكي بـلاش تهويل
الناس دي فاكره الحُبّ عويل!
يا اخضر بقيت كل المواويل
إلّا الأخضر

دقّ اللاسلكي عشر سنوات
يا اخضر بقيت كل الواوات
إلّا الأخضر

يا اخضر ما توعاشي لنفسك
توحش نفسك
عسّلت فاتوا على عيوني
عشـر شـوارع سـألــوني
ليه مش حياه؟ ليه مش غنوه؟
الليل زرع بذره غريبه
في قلب سيدي البيومي
فتّح كأنه ما يعلمشي

دقّ اللاســلـكي علــى عنــوان
داخل مفقود
خارج مولود
الناس دي فاكـره الحُـبّ يمـوت!
يا اخضر ما يسرح في الملكوت
إلّا الأخضر


ديوان النقش باللاسلكي "ليالي وصباحيات" - الأعمال الكاملة للشاعر فؤاد حداد - الهيئة العامة لقصور الثقافة

الثلاثاء، أغسطس 03، 2010

أبو تمام - لا أنت أنت و لا الديار ديار

لا أنتِ أنتِ ولا الديارُ ديارُ .:. خفَّ الهوى وتولتِ الأوطارُ
كانَتْ مجاورةُ الطُّلولِ وأَهلِها .:. زَمناً عِذابَ الوردِ فهي بِحارُ
أيَّامَ تُدْمِي عَينَه تِلكَ الدُّمى .:. فيها وتقمرُ لبهُ الأقمار
إذ لا صَدوفُ ولا كَنودُ اسماهُما .:. كالمعنيين ولا نوارُ نوارُ
بيضٌ فَهنَّ إذا رُمِقْنَ سَوافِراً .:. صورٌ وهنَّ إذا رمقنَ صوارُ
في حَيثُ يُمتهنُ الحَديثُ لِذي الصبا .:. وتُحصَّنُ الأسرَار والأَسرارُ
إذْ في القتادة وهي أبخلُ أيكة .:. ثَمرٌ وإذ عُودُ الزَّمانِ نُضارُ
قَدْ صَرَّحتْ عنْ مَحضها الأخبارُ .:. واستبشرتْ بفتوحكَ الأمصارُ
خبرٌ جلا صدأَ القلوبِ ضياؤهُ .:. إذْ لاحَ أنَّ الصدقَ منهُ نهارُ
لولا جلادُ أبي سعيدٍ لم يزلْ .:. للثغرِ صدرٌ ما عليه صدارُ
قدتَ الجيادَ كأنهنَّ أجادلٌ .:. بِقرَى دَرولِية لها أوْكارُ
حتَّى التَوى منْ نَقعِ قَسطَلها على .:. حِيطانِ قُسطنطينة الإعْصارُ
أوقدتَ من دُونِ الخليجِ لأهلها .:. ناراً لهَا خَلفَ الخليجِ شرارُ
إلا تكنْ حصرتْ فقدْ أضحى لها .:. منْ خوفِ قارعة ِ الحصارِ حصارُ
لوْ طاوعتكَ الخيلُ لم تقفلْ بها .:. والقُفْلُ فيه شَباً ولا مِسمارُ
لمَّا لَقوكَ تَواكلُوكَ وأعْذَرُوا .:. هَرباً، فلمْ ينفعهُمُ الإعذارُ
فهُناكَ ناُر وَغى تُشَبُّ وهَاهُنا .:. جَيشٌ له لَجبٌ وثَمَّ مُغارُ
خشعوا لصولتكَ التي هي عندهم .:. كالموتِ يأتي ليسَ فيهِ عارُ
لما فصلتَ منَ الدروبِ إليهمِ .:. بعرمرمٍ للأرضِ منهُ خوارُ
إنْ يبتكرْ ترشدهُ أعلامُ الصوى .:. أو يسرِ ليلاً فالنجومُ منارُ
فالحَمَّة ُ البَيْضاءُ مِيعادٌ لَهمْ .:. والقُفلُ حَتمٌ والخليجُ شِعارُ
علموا بأنَّ الغزوَ كانَ كمثلهِ .:. غَزواً وأنَّ الغَزو مِنكَ بَوارُ
فالمشيُ همسٌ والنداءُ إشارة .:. خَوفَ انتِقامِكَ والحَديثُ سِرارُ
إلا تنل منويلَ أطرافُ القنا .:. أو تُثنَ عَنهُ البيضُ وهيَ حِرارُ
فلقدْ تمنى أنَّ كلَّ مدينة .:. جَبلٌ أَصمُّ وكلُّ حِصْنٍ غَارُ
إلا تفرَّ فقدْ أقمتَ وقدْ رأتْ .:. عَينَاكَ قِدْرَ الحربِ كيف تُفارُ
في حَيْث تَستَمِعُ الهَريرِ إذا عَلا .:. وترى عَجاجَ الموتِ حينَ يُثارُ
فانْظُرْ بِعَيْنِ شَجَاعَة ٍ فَلتعْلَمَنْ .:. أنَّ المقامَ بحيثُ فرارُ
لَمَّا أَتتكَ فُلُولُهمْ أَمْدَدَتهُم .:. بِسَوابِقِ العَبرَاتِ وَهْي غِزَارُ
وضربتَ أمثالَ الذليلِ وقد ترى .:. أَنْ غَيْرُ ذَاكَ النَّقْصُ والإمْرَارُ
الصَّبْرُ أجمَلُ والقَضَاءُ مُسلَّطٌ .:. فارضوا بهِ والشرُّ فيه خيارُ
هَيْهَاتَ جاذَبكَ الأعِنَّة َ باسِلٌ .:. يعطي الأسنة َ كلَّ ما تختارُ
فمَضَى لَوَ أنَّ النَّارَ دُونَكَ خاضَها .:.بالسَّيْفِ إلاَّ أنْ تكونَ النَّارُ
حَتَّى يَؤُوبَ الحَقُّ وهْوَ المُشتَفِي.:. منكمْ وما للدينِ فيكمْ ثارُ
للَّهِ دَرُّ أبي سَعِيدٍ إنَّهُ .:. لِلضَّيْفِ مَحْضٌ لَيْسَ فيهِ سَمَارُ
لَمَّا حَلَلْت الثَّغْرَ أصبَحَ عالِياً .:. للرُّومِ مِنْ ذَاكَ الْجِوارِ جُوَارُ
واستيقنوا إذْ جاشَ بَحرُكَ وارتَقى .:. ذاكَ الزئيرُ وعزَّ ذاكَ الزارُ
أنْ لَسْتَ نِعْمَ الجَارُ للسُّنَنِ الأُولَى .:. إلا إذا ما كنتَ بئسَ الجارُ
يقظٌ يخافُ المشركونَ شذاتهُ .:. متواضعٌ يعنو له الجبارُ
ذللٌ ركائبهُ إذا ما استأخرتْ .:. أسفارهُ فهمومهُ أسفارُ
يسري إذا سرتِ الهمومُ كأنهُ .:. نجمُ الدجى ويغيرُ حينَ يغارُ
سمقتْ بهِ أعراقه في معشرٍ .:. قَطْبُ الوَغَى نُصُبٌ لهُمْ ودَوَارُ
لا يأسفونَ إذا همُ سمنت لهمْ .:. أحسابهم أنْ تهزلَ الأعمارُ
مُتَبهمٌ في غَرْسِهِ أنصَارُه .:. عندَ النزالِ كأنهم أنصارُ
لُفُظٌ لأخْلاقِ التجارِ وإنَّهُمْ .:. لغداً بما ادخروا له لتجارُ
ومُجَربون سَقاهُمُ مِنْ بأْسِهِ .:. فإذا لُقُوا فكأنَّهُمْ أغْمارُ
عكفٌ بجذلٍ للطعانِ لقاؤهُ .:. خَطَرٌ إذا خطَرَ القَنَا الخَطَّارُ
والبيضُ تعلمُ أنَّ ديناً لم يضعْ .:. مذ سلهنَّ ولا أضيعُ ذمارُ
وَإذَا القِسِيُّ العُوجُ طَارَتْ نَبْلُها .:. سومَ الجرادِ يسيحُ حينَ يطارُ
ضمنتْ لهُ أعجاسها وتكفلتْ .:. أَوْتَارُها أنْ تُنْقَضَ الأوْتَارُ
فدعوا الطريقَ بني الطريقِ لعالمٍ .:. أنَّى يُقَادُ الجَحْفلُ الجَرَّارُ
لَوْ أنَّ أَيْدِيكُمْ طِوَالٌ قَصَّرتْ .:. عنهُ فكيفَ تكونُ وهيَ قصارٌ
هو كَوكَبُ الإسْلامِ أَيَّةَ ظُلْمَةٍ .:. يخرقْ فمخُّ الكفرِ فيها رارُ
غادرتَ أرضهمُ بخيلكَ في الوغى .:. وكأنَّ أمنعها لها مضمارُ
وأقمتَ فيها وادعاً متمهلاً .:. حتى ظننا أنها لكَ دارُ
بالمُلْكِ عَنْكَ رِضاً وجابِرُ عظْمِهِ .:. أرض وبالدنيا عليكَ قرارُ
وأَرَى الرياضَ حَوامِلاً ومَطَافِلاً .:.مُذْ كنتَ فيها والسَّحابُ عِشَارُ
أيَّامُنا مَصْقُولَةٌ أَطرَافُهَا .:. بكَ واللَّيالي كُلُّها أَسْحَارُ
تندى عفاتكَ للعفاةِ وتغتدي .:. رُفَقاً إلى زُوَّارِكَ الزُّوَّارُ
هِمَمِي مُعَلَّقَة عليكَ رِقابُها .:. مغلولة إنَّ الوفاءَ إسارُ
وَمَوَدَّتي لك لا تُعارُ بَلى إذا .:. ما كانَ تامورُ الفؤادِ يعارُ
والناسُ غيركَ ما تغيرُ حبوتي .:. لفِراقِهِمْ هَلْ أَنْجَدُوا أو غَارُوا
ولذاكَ شعري فيكَ قد سمعوا بهِ .:. سحرٌ وأشعاري لهمُ أشعارٌ
فاسْلَمْ ولا ينفَكُّ يَحظُوكَ الرَّدَى .:. فينا وتسقطُ دونكَ الأقدارُ

الأربعاء، يوليو 21، 2010

وضاح اليمن - قالت وقلت

قالت: ألا لا تلجــنَّ دارنـا إنَّ أبـانا رجــلٌ غائــرُ
قلت: فإني طــــالب غرةٌ منه وسيفي صارمٌ باترُ
قالت: فإن القصر من دوننا قلت: فإني فوقه ظاهرُ
قالت: فإن البحر من دوننا قلت: فإني سابحٌ ماهرُ
قالت: فحولي إخوة سبعة قلت: فإني غالبٌ قاهرُ
قالت: فإن الله مـن فوقـنا قلت: فربي راحمٌ غافرُ
قالت: لقد أعييتـنا حـجة فأتِ إذا ما هجعٌ السامرُ
وأسقط علينا سقوط الندى ليـلة لا ناهٌ و لا زاجرُ

السبت، يوليو 10، 2010

تميم البرغوثي - من قصيدة مقام عراق

كُفّوا لسـانَ المراثـي إنها تَـرَفُ .:. عن سائر الموت هذا المـوتُ يختلفُ
وضَمّـِدُوا النخلَ سَبـْعاً إنه زمـنٌ .:. للحرب لا السِّلْمِ فيه يُرْفَعُ السّـَعَفُ
ضَـلَّ الكَـلامُ وضَلَّ المهـتدونَ به .:. إن الصـفاتِ خِيـاناتٌ لمـا تَصِـفُ
المـرءُ سـِرّ ووَجْـهُ المَرْءِ يـكتُمُهُ .:. تَحتـارُ هَلْ عرفوا أم بَعْـدُ ما عرفوا
تُخْبِـرْهُمُ فَتَرى في صمـتهم خَدَراً .:. كالشيـخِ عَزَّاهُ عن قَتْـلِ اْبْنِهِ الخَرَفُ
إن يصـبروا لا تُصَدِّقْ أنهم صَبَرُوا .:. أو يضـعفوا لا تُصَـدِّقْ أنهم ضَعُفُوا
يا من تصيـحونَ يا وَيْلِي ويا لَهَفِي .:. واللهِ لم يـأْتِ بعدُ الوَيْـلُ واللَهَـفُ
هذِي المصـيبةُ لا يرقى الحِـدادُ لها .:. لا كـربلاءُ رَأَتْ هـذا ولا النَّجَـفُ

هذا استهلال، والاستهلال استهلال الدمعِ واستدعاءُ الهلال، والهلال مقياس الزمان وسِجِلَّ المسلمين،
قُلامةُ الأظفر، وقارِب الفِضَّة، مهدُ الليل وطريدُ النهار فيه...

يا هلالْ
عَلَمَ المؤمنينْ
أيها القاربُ المتَأَرجِحُ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالْ
شمالك مُعْتَلَّةٌ واليمينْ
يا هلالْ
أيها القاربُ المتأرجحُ تمحو وتكتب كيفَ تميلُ مصائرَنَا
في الحروبِ المقيمةِ أو في السلامِ السِّجالْ
يا هلالْ
يا مشابكَ شعرِ الصبايا وقوسَ الرموشْ
يا قُلامَةَ ظُفْرِ الوحوشْ
تحوِّلها من زئير الصَّحاري إلى رسمةٍ في ثياب المدارسْ
يا قُلامَةَ ظُفْرِ الرجالْ
تقيَّدُهم بالبلاغةِ في السُّوَرِ البَيِّناتِ فلا يعتدون على الذاتِ والآخرينْ
يا هلالْ
يا ابتسامةَ ليلٍ عليلٍ، يُجَامِلُ أمثالَنا الزائرينْ
يا أنينْ
يا جنينْ
يا حزينْ
يا مؤانسْ
بليلٍ طويلِ الهمومِ بطيئِ النجومِ كثير الوَسَاوِسْ

ويا أيها الشاهد الأبديّْ
يا حبيب النبيّْ
ويا من أضأت الطريقَ لجبريلَ
تُمسِكُه من يَدَيْهِ لغارِ حِراءٍ
وقلتَ لَهُ:
إنَّهُ هاهُنا فَتَفَضَّلْ
ويا من تَنَقَّبْتَ حَتَّى هَرَبْتَ وهَرَّبْتَهُ
وَسُيوفُ قريشٍ بأغمادِها تَتَمَلْمَلْ
ويا من هَدَيْتَ الحَمَامَةَ أن تَضَعَ العُشَّ في باب مخبئِهِ
دونَ أيِّ مكانٍ سواهُ على رُقْعَةِ الصَحَراءْ
ويا من تبسَّمَ مِثْلَ الشيوخِ بأعراسِ أحفادِهم،
وكأنَّكَِ وحدَكَ تَفْهَمُ أيَّ انتقامٍ أرادَ لهم
حينَ قالَ:
اْذْهبوا أنتم الطُلَقَاءْ
ودونَ جميعِ الذينَ أَحَبُّوكَ من أُمَمِ الأرضِ
أَهْدَيتَ نَفْسَكَ للمسلمينَ
إذا ما بَنَوا قُبَّةً يا هلالُ
الا كنت
تجاورُها وتغازِلهُا
وتُجَمِّلُها وبها تَتَجَمَّل

يا صباحاً تأجَّلْ

شَهِدْتَ تَفَرُّعَ تَاريِخِنا كَقُرُونِ الغَزَالْ
وتَحَمَّلتَ صُحْبَتَنَا ما اْسْتَطَعْتَ
رَغِيفاً يُغَمَّسُ بالزيت فجراً
دنانيرَ يرمي بها الشعراءُ لخَمَّارِهم
لا لتبذيرِهم بل لأنَّ الدنانيرَ ليست تليقُ بشعرٍ يقالْ
ووجهاً لجاريةِ تتقنُ العَرَبِيَّةَ لكنَّها خلطت بين زاي وذالْ
وترساً عتيقاً توارَثَهُ بائعُ الخَزِّ عن جَدِّهِ البَدَوِيّْ
يُفاجِئُهُ كُلَّما احتاجَهُ أَنَّهُ لم يَزَلْ صالحاً للقتالْ
وتَحَمَّلْتَ صُحْبَتَنَا ما اْسْتَطَعْتَ
ترى ما ترى من قبيحٍ فتغضبُ منا
إلى أن ترى ما ترى من جَمَالْ
تشاركنا كلَّ ليلٍ قصيرٍ وتسهر وحدَكَ في كلِّ ليلٍ يَطُولْ

ثُمَّ أنتَ الذي نامَ بينَ المقابرِ كَيْ لا يَرَاهُ المغولُ ببغدادَ يا صاحبي
وَعُدْتَ، كما يَصِفُ اْبْنُ الأَثِيرِ، تُعانِقُ من عاشَ مِن أهلِها
بعد سِتِّ أسابيعَ
كي تَتَدَبَّر أَمْرَ المعايِشِ،
لا بُدَّ من قَمَرٍ يَسْهَرُ الليلَ
حتى وإن كانَ فيها مَغُولْ

يا جَلِيلَ النُّحُولْ
يا خَفِيَّ الكمالْ

أيُّها الصفحةُ المستديرةُ
ليسَتْ بياضاً تماماً
وليست سواداً تماماً
وليسَ يضيعُ عليها الكلامُ
وليسَ يُسَجَّلْ

ويا سِرَّ قوميْ الذي ما تَأَوَّلْ
ويا من أَعِنَّةُ أعمارِنا في يَدَيهِ
ويا مَنْ يُشِيرُ إلى قِبْلَةِ اللهِ ما يَتَحَوَّلْ
يحنُّ إليها، تَحِنُّ إليهِ
لذا تُبصرونَ ذِراعَيهِ ممتَدَّتَيْنِ كما دائماً للعناقْ

يا هلالاً تَنَزَّلَ من أُفْقِهِ
غُرَّةً في جبينِ البُراقْ
يا هلالاً حراماً عليهِ المحاقْ
يا هلالاً لنا
يا رفيقَ الرفاقْ
هل سَأَلْتَ وأنت تَعُدُّ خُطَانَا مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ حتى احتلالِ العِراقْ
هل رَفِقْتَ بنا
يا رفيقَ الرفاقْ

قال الهلالْ
أنا الاحتمالْ
أنا الزَّعمُ أن الإضاءةَ في الليلِ ممكنةٌ دونَ أن تظلمَ النارُ زيتاً
ودونَ افتخارِ الدُّخَانِ بلا وَجْهِ حَقٍّ على العالمينْ
أنا الليلُ حينَ يخالفُ فِطْرَتَهُ ويُضِيءُ
أنا الاحتمالُ الضئيلْ
أقولُ لكم إنَّ شمساً، وإن فارَقَتْ، ما تَزَالُ هُنا
في زوايا السماءِ
ووجهيِ عليها الدَّليلْ
أنا الاحتمالُ الخفيفُ الثقيلْ
أنا كُلَّما أضَعَفَ الله ضوئي طالَبْتُكم أن تَرَوْنِيَ أكثَرَ
هاتوا مناظيرَكُم واستعِدُّوا
أنا الأَمَلُ المستَغِلُّ الذي دائماً يطلبُ المستحيلْ

يُوقِنُ الراصدونَ بأن لا صَبَاحَ سَيَطْلُعُ مِنِّي
لأني ضعيفٌ نحيفٌ هزيلْ
ويأتونكم بالبراهينِ، هذا هُوَ العِلْمُ
إن الأَهِلَّةَ أَبْخَلُ من أن تَجُودَ عليكم بنورٍ
وإن الأَهِلَّةّ محضُ صخورٍ
ويأتونكم بالبراهينِ
وعدُ الهلالِ لكم بالضياءِ ضلالْ
ويقولون إذ يُمْعِنُ الليلُ في نَفْسِهِ
وأكادُ أغيبُ
انظروا، إنه سوف يَتْرُكُكُمْ للظلام،
ويَنْتَحِلُونَ لِيَ العُذْرَ،
إن الظَّلامَ كَثِيرٌ
وإن الهلالَ قليلْ
ولكنَّهُم يُذْهَلُونَ إذا ما أَطَلَّ عليكم بِوَجْهِي صباحٌ جديدْ
لم أَغِبْ، كنتُ أحضِرُه من مَكَامِنِهِ،
أَيْ نَعَمْ، مِتُّ حتى أتيتُ بِهِ
فأنا الميِّتُ الحيُّ فيهِ
اْذكروني اْذكروني إذا جاء صبحٌ
ففي كلِّ صبحٍ هلالٌ شهيدْ

وقال الهلالْ
أنا الاحتمالُ بكل المعاني
أنا الاحتمالُ الذي في السؤالْ
أنا الاحتمالُ الذي في القواعدْ
أنا الاحتمالُ بمعنى الأَمَلْ
أنا الاحتمال الذي في الجَمَلْ
وأنا الاحتمال بمعنى الرَّحِيلِ
إذا اْرْتَحَل الرَّكْبُ قِيلَ اْحْتَمَلْ

وقال الهلالْ
أنا ذو الشهادةِ
بالمعنيينِ، شهيدٌ، وشاهدْ

وكل احتمالٍ يكونُ شهيداً
وكل شهيدٍ يكون احتمالاً
فصبراً زماني
ستدري، إذا أَذِنَ اللهُ لي فِيكَ،
أيَّ عَدُوٍّ كريمٍ تُعانِدْ

أنا بِذْرةٌ في حقولِ الليالي
يُبَشِّرُها بالزوالِ اكتمالي
وإنْ أكتملْ فاْكْتِمالي زَوَالي
وإن زُلْتُ عُدْتُ إلى مَوْلِدِي
بذرةً في حقولِ الليالي

ظلامٌ ونورٌ وحقٌّ وزورٌ وطفلٌ وماردْ
أنا الليلُ في النُّورِ والنُّورُ في الليلِ
والكُلُّ في الجزءِ والجزءُ في الكُلِّ
أعني المعاني جميعاً
ومعنايَ واحدْ

ألا أيُّها الناسُ لا تَسألوا هل رَفِقْتُ بكم
أَمِثْلي يُعَاتِبُهُ مثلُكم؟
أنا صاحبُ النَّولِ
ظهري تَقَوَّسَ من جِلستي
إذ أَسُلُّ من الليلِ خَيطاً فَخَيطاً
وأَغْزِلُ ثوباً لكم
ثُمَّ في ليلةٍ من ليالي المحرَّمْ
أتاني الغزاةُ إلى منزلي
يَلبسُونَ الحديدْ
والأدِلاَّءُ منكم
ألا أيُّها الناسُ لا تسألوا هل رَفِقْتُ بكم
واسألوا
هل حفظتم عَلَيَّ مَشِيبي
وعهديْ البعيدْ

المـوت محتمل ضيفاً به ثقـلُ .:. كذا قيامِيَ بعدَ الموتِ، مُحْتَمَـلُ
والليلُ حِمْلٌ أنا مِنْ تحتِه جَمَـلُ .:. يا قائِمِيْ الليلِ لا خوفٌ ولا وَجَلُ
أنا لكم وَلَدٌ إن شِئْتُ أو سَلَفُ

قالَ الهلالُ وبعضُ القَولِ لا يَصِلُ .:. إلا إذا ماتَ بعضُ القَوْمِ أو قُتِلُوا
هل يَعْلَمُ المدَّعُونَ العَجْزَ ما فَعَلُوا .:. قَدْ أَثْكَلُوا اللهَ لو من شَأْنِهِ الثَّكَلُ
بلْ ذاكَ أهْوَنُ من بعضِ الذي اقْتَرَفُوا
كُفُّوا لسانَ المراثي إنها تَرَفُ

تميم البرغوثي - ديوان مقام عراق - دار أطلس

الخميس، يونيو 17، 2010

محمود درويش - في البيت أجلس

في البيت أجلس، لا حزيناً لا سعيداً
لا أنا، أو لا أحدْ

صحفٌ مبعثرةٌ. ووردُ المزهريةِ لا يذكرني
بمن قطفته لي. فاليوم عطلتنا عن الذكرى،
وعطلةُ كل شيء... إنه يوم الأحدْ

يوم نرتب فيه مطبخنا وغرفةَ نومنا،
كل على حدةٍ. ونسمع نشرةَ الأخبار
هادئةً، فلا حربٌ تشنُّ على بلدْ

الإمبراطورُ السعيدُ يداعبُ اليومَ الكلابَ،
ويشرب الشمبانيا في ملتقى نهدين من
عاجٍ... ويسبح في الزبدْ

الإمبراطورُ الوحيدُ اليوم في قيلولةٍ،
مثلي ومثلك، لا يفكر بالقيامة .. فهي
مُلك يمينهِ، هي الحقيقةُ والأبدْ!

كسلٌ خفيفُ الوزن يطهو قهوتي
والهالُ يصهلُ في الهواءِ وفي الجسدْ

وكأنني وحدي. أنا هو أو أنا الثاني
رآني واطمأنَّ على نهاري وابتعدْ

يوم الأحدْ
هو أولُ الأيام في التوراة، لكنَّ
الزمان يغيّر العاداتِ: إذ يرتاح
ربُّ الحرب في يوم الأحدْ

في البيت أجلس، لا سعيداً لا حزيناً
بين بين. ولا أبالي إن علمتُ بأنني
حقاً أنا ... أو لا أحدْ!


ديوان كزهر اللوز أو أبعد - دار رياض الريس

الخميس، يونيو 10، 2010

صلاح عبد الصبور - تأملات ليلية

(1)
أبحرت وحدي في عيون الناس والأفكار والمدن
وتهت وحدي في صحارى الوجد والظنون
غفوت وحدي، مشرع القبضة، مشدود البدن
على أرائك السعف
طارق نصف الليل في فنادق المشردين
أو في حوانيت الجنون
سريت وحدي في شوارع لغاتها، سماتها، عماء
أسمع أصداء خطاي
ترن في النوافذ العمياء
وطرت بين الشمس والسحابة
ونمت في أحضان ربة الكتابة
لكنني، هذا المساء
(ممدداً ساقيّ في مقعدي المألوف)
أحس أني خائف
وأن شيئاً في ضلوعي يرتجف
وأنني أصابني العيّ، فلا أبين
وأنني أوشك أن أبكي
وأنني
سقطت
في
كمين

(2)
وكأني قطعة صخر
تهتف بالأقدام
رديني في كتف الجبل الجرداء
أو في حضن الأغوار المهجورة
وخذيني من أرصفة الطرقات
وزنزانات السجن المتسخة
وأعتاب الخمارات
وكأني كومة رمل
تهتف بالأيدي:-
ذريني فوق شطوط البحر
ألقيني جنب طيور الزبد البيضاء
صونيني عن آنية الزرع الشمعي
أو عن طرق الأمراء
وكأني نهر
يهتف بالمجرى:ـ
أرجعني للقمم البيضاء
حتى لا يشربني الحمقى والجهلاء

(3)
أين أعلق تذكاراتي؟
والحائط منهار
أين أسمر حزني، شغفي
أفراحي، ولهي، لهفي
والحائط منهار
يا أيتها الأمسية الصيفية
ردي عني أنسام النسيان
أو فاعطيني صندوقاً من كلمات
كي أخْزن فيه بعض المقتنيات
يا أسفي
هربت مقتنياتي كالطير الهيمان
تذكاراتي ارتفعت نحو الآفاق الغيمية
حبلاً من دخان

(4)
الظلمة تهوى نحو الشرفة
في عربتها السوداء
صلصلة العجلات الوهمية
تتردد في الأنحاء
خدم الظلمة والأجراء
طافوا من حول المركبة الدخانية
يلقون بذور الوجد الخضراء
عينا القمر اللبنى الشاحب
بكتا مطراً فوق جبيني المتعب
بكتا حتى ابتل الثوب
آه، يلذعني البرد
فلأهرع للغرفة
لم أدرك أني عريان
إلا الآن

(5)
أرتد إلى هذي الفكرة كل مساء
مثل صدى يرتد إلى الصوت
مثل النهر إلى البحر
تتشكل أحياناً في أقنعة
متشابهةٍ، متغيرةٍ، كالأيام
أو كالموت
تتجول في جسمي مثل دمي
تلذعني أحياناً في عيني
إذ أنزف
أو في قدمي
إذ أتوقف
تبغي أن تعرفها يا جاسوس الوقت؟
لا، إني أكتمها عنك
بل إني في الحق
لا أعرف كيف أعبر عنها لك

(6)
لا شيء يعينك .. لا شيء يعينك
لا شيء يعينك .. لا شيء يعين
لا شيء يعينك .. لا شيء
لا شيء يعينك
لا شيء
لا

تأملات ليلية .. ديوان أحلام شجر الليل 1973 الأعمال الكاملة المجلد الثالث .. دار العودة بيروت

الأحد، مايو 30، 2010

رجب الصاوي - الضوء المزغلل

صبح ومسا.. ما فضلشى غيرك
ما فضلشى غيرك ..
كل ما أحاول أزوغ
يقفشنى طيرك
تندهنى أصواتك .. بعيدة
يصرخ باجور
ربيت وراور فى العشش
وطيور ..
ودفنت جسمى فى الماجور
ما أحاول .. الا وتجينى فى منام
ما أقوم .. الا وطواطك يحوم

الشمس طلعت بسيطة
بدأت بضوء أحمر
خيوط من المرمر
نقطه ندى سكر ..
وتنهيدة
ونفس عزيز انقطع
وشمس طلعت
وشمس نزلت
وشمس عامت فى العصب
دابت خيوط الدهب
واتفتت الحصو القديم
والزرع لاخضر
وريحة فاحت فى الهشيم
وكنت باصغر ..
كل مادا كنت باصغر
لونى أزرق .. لونى أصفر
كل مادا كنت بتاخد
وباتذكر ..
لونى شاحب
والجو معكر
ولقيتنى بتبخر .. وغايب
وباحس بالنبض البسيط
وبالشمس البسيطة
بكا غريب ..
خلانى شايف طشاش
العش أعشاش
والصورة ست أوشاش
والعين كبيرة .. زى عين الشمس


* ديوان "عناقيد الشمس" - الهيئة المصرية للكتاب

الاثنين، مايو 24، 2010

أمل دنقل - أيدوم النهر ؟

أيدوم لنا بستان الزهر
والبيت الهاديء عند النهر
أم يسقط خاتمنا في الماء
ويضيع.. يضيع مع التيار
وتفرقنا الأيدي السوداء

ونسير علي طرقات النار
لا نجرؤ تحت سياط القهر
أن نلقي النظرة خلف الزهر
ويغيب النهر.
*
أيدوم لنا البيت المرح
نتخاصم فيه ونصطلح
دقات الساعة والمجهول
تتباعد عني حين أراكِ
وأقول لزهر الصيف.. أقول
لو ينمو الورد بلا أشواكِ
ويظل البدر طوال الدهر
لا يكبر عن منتصف الشهِر
آه يا زهر..
لو دمت لنا..
أو دام النهر.

* ديوان أمل دنقل (الأعمال الكاملة) - دار العودة - بيروت / مكتبة مدبولي - القاهرة

الثلاثاء، مايو 18، 2010

صفي الدين الحلّي - نَعَم لقُلوبِ العاشقينَ عيُونُ

نَعَم لقُلوبِ العاشقينَ عيُونُ .:. يَبينُ لها ما لا يَكادُ يَبينُ
نظرنا بها ما كانَ قبلُ من الهوى .:. فدَلّ على ما بَعدَها سَيَكونُ
نهانا النهى عنها، فلجتْ قلوبنا .:. فقُلنا: اقدُمي! إنّ الجنونَ فُنُونُ
نَغُضّ ونَعفُو للغَرامِ، إذا جَنَى .:. ويَقسُو علَينا حكمُهُ، فنَلِينُ
نَرُدّ حدودَ المُرهَفاتِ كَليلَة .:. وتَفتُكُ فينا أعينٌ وجُفُونُ
نُهَوّنُ في سُبلِ الغَرامِ نُفُوسَنا .:. وما عادَةً، قَبلَ الغَرامِ، تَهُونُ
نُطيعُ رِماحاً فَوقَهنّ أهلّة .:. وكُثبانَ رَملٍ فوقَهنّ غُصونُ
نَواعِمُ شَنّتْ في المُحبّينَ غارَة .:. بها اللّدنُ قَدٌّ، والسّهامُ عُيُونُ
نبالٌ، ولكنّ القسيَّ حواجبٌ .:. نِصالٌ، ولكنّ الجُفُونَ جُفُونُ
نهبنَ قلوبَ العاشقينَ، وغادرتْ .:. بجِسمي ضَنًى للقَلبِ منهُ شُجونُ
نحولٌ وصبرٌ قاطنٌ ومقوضٌ .:. ودَمعٌ وقَلبٌ مُطلَقٌ ورَهِينُ
نسهلُ أحوالَ الغرامِ تجلداً .:. وإنّ سُهُولَ العاشقِينَ حُزونُ
نتابعهُ طوراً، ولا عروةُ الهوى .:. بوثقى ولا حبلُ الزمانِ متينُ
نظنّ جميلاً في الزمانِ، وإنهُ .:. زمانٌ لتصديعِ القلوبِ ضمينُ
نرومُ وعودَ الجودِ منه، وقد غدتْ .:. لدى المَلِكِ المَنصورِ، وهيَ ديُونُ
نبيُّ سماحٍ قد تحققَ بعثهُ .:. لهُ الرّأيُ وَحيٌ، والسّماحةُ دينُ
نَجَتْ فِئَةٌ لاذَتْ بهِ، فتَيَقنّتْ .:. بأنّ طَريقَ الحَقّ فيهِ مُبينُ
نخيٌّ، له العزمُ الشديدُ مصاحبٌ .:. سَخيٌّ، لهُ الرّأيُ السّديدُ قَرينُ
نجيبٌ، لو أنّ البحرَ أشبهُ جودهُ .:. لما سلمتْ من جانبيهِ سفينُ
نفتْ عنهُ ما ظنّ العداةُ عزائمٌ .:. هيَ الجَيشُ والجَيشُ الخَميسُ كمينُ
نَمَتهُ إلى القَومِ الذينَ رِماحُهُمْ .:. قضَتْ في الوَغى أن لا يَضِيقَ طَعِينُ
نُجومٌ لها فوقَ السّروجِ مَطالِعٌ .:. لُيُوثٌ لها تحتَ الرّماحِ عَرينُ
نفوسهمُ يومَ الجدالِ جداولٌ .:. وآراؤهم يومَ الجِدالِ حُصُونُ
نَجَعنا إلَيهِ من بلادٍ بَعيدَة .:. وكلٌّ لهُ حسنُ الرجاءِ ضمينُ
نهضنا لنستسقي السحابَ، فجادنا .:. سَحابُ نَدَى كَفّيهِ وهيَ هَتونُ
نوافيكَ يا من قد غدتْ حركاته .:. على المُلكِ منها هَيبَةٌ وسُكُونُ
نُجازى بما نأتي إلَيكَ هَديّة .:. فنحملُ درّ المدحِ، وهو ثمينُ
نعمتَ، ولا زالتْ ربوعكَ جنةً .:. فمَغناكَ حِصنٌ للعُفاة حَصينُ
نهبتَ الثنا والجودَ والمجدَ والعلى .:. ونِلتَ الأماني، والزّمانُ سُكُونُ


* ديوان صفي الدين الحلي - دار صادر - بيروت

السبت، مايو 08، 2010

فؤاد حداد - الطاسة

جورج أبيض قبل ما يدخل على
خشبة مسرح برنتانيا الربيع
كان يسخّن ياخد كام قلم
مستحيل تلقى مُمَثّل أو شجيع
ينفع العالم بإخلاصه المريع
او بتمثيله البديع
أو ينادى لَيْلَى فى الكون الوسيع
بَلَكون جولييت يشقق بالنغم
والهلال والنجم زى اللى اترَسَم
فى مزاج الترسو والفن الرفيع
أو يا ليل يغزو بخيل تلبس جِزَم
ألف مرّه تدوس على الكدب الوضيع
ذا أوان الشدّ فاشتدّى زيَم
بلهوان امتدّ أو تركى بَجَم
لم يطُلْ لَيْلى ولكن لم أنَمْ
أو يحلّ اللغز لَمْ يسقط صريع
أو يفشّ الغِلّ أو يشفى الورم
أو يخلّي البغى والباطل يضيع
أو يجيب الضّى من طىّ الظُلَمْ
قد سَرَى الدفء بأطراف الصقيع
تاني أو مفرد مذكرْ أو عَلَم
ينتصر للحقّ ينهض بالهمَمْ
لاجل توفى بذمة الدنيا ذِمَم
أو يخلّى التهمة تثبت لا تضيع
ع اللى كل مال اليتيم يا مُحْتَرم
أو يخلّى العدل قادر مستطيع
أو يخلّى السيف يشوف اللى ظَلَم
أو يخلّى الورد يا عبد الحكم
يشبه النكته على الماضى الشنيع
أو يخلّى الذئب من حقّ القطيع
أو يخلّى الطفل سقّف وابتسم
أو يخلّى الصاله يا عبد السميع
اللهم اجعله خير واشفى الصمم
شعشعانة ضحك فى منظر وديع
غير ما تبقى قدمه هىّ القدم
اللى شايله وحاطّه فى قلوب الجميع
- ارفعوا ستارة برنتانيا الربيع –
جورج أبيض سُخْن واخد كام قلم

تذييل:

ما سَخَر من شعرى غير واحد افندى
كلّ دا قلته لوحدك؟ أى نَعَم
كـــلَ دا قلتـــه لوحدى
أربعين مليون لوحدى
ثـمّ فـوق النيـل معدّى
الأمل ادّانى ريق
ادّانى ريف
ادّانى ريع
شاعر الشعب اللى أعلى من الهرم
بافتكر نفسى حمامه من الحَرَم
دحرجتني على فدّان الكرم
حكمه راكبه تغنّى فى القطر السريع
كل شخص من الزمان اللي اترحم
لمّا يدخل في زمان المشاريع
لو يرقَّص حاجبه من فرط الألم
لَمْ يُلَمْ بالمثل يا عبد السميع
إنّ يَرُد الصاعَ ألفاً لَمْ يُلَمْ



* فؤاد حداد - من ديوان ميت بوتيك - دار المستقبل العربي - 1987

الأحد، مايو 02، 2010

بيرم التونسى - فى الطريق

أربـــع عســـاكر جبـــابره يفتـــحوا برلــين
ساحبــين بتــاعة حــلاوة جايــة من شربين
شايلــة علـى كتفــها عيـــل عينــيه وارمـين
والصـاج علـى مخـها يرقــص شمـال ويمين
إيه الحكاية يا بيه؟.. جـال: خالفت الجوانين
إشمعنى مليـون حـرامـى فـى البـلد سارحين
يمزعــــوا الجيـــوب ويفتـــحوا الدكـــاكـين
اســـأل وزيـــر الشئــــون ولا أكلــــم مين؟

* الأعمال الكاملة لبيرم التونسى - الجزء الأول - مكتبة مدبولى

الاثنين، أبريل 26، 2010

بدر شاكر السيّاب - قالوا لأيوب

قالوا لأيوبَ "جفاك الآلهْ!"
فقال "لا يجفو
من شدّ بالإيمان، لا قبَضَتاه
تُرخى ولا أجفانُه تغفو".
قالوا له "والداء من ذا رماه
في جسمك الواهي ومن ثبّتهَ؟"
قال "هو التفكيرُ عما جناه
قابيل والشاري سُدىً جنّته.
سيُهزَم الداء غداً أغفو
ثمّ تفيقُ العينُ من غَفوَه
فأسحبُ الساق إلى خَلوْه
أسأل فيها اللهَ أن يعفو.
عكّازتي في الماء أرميها
وأطرقُ الباب على أهلي.
إنْ فتحوا البابَ فيا وَيْلي
من صرخةٍ، من فرحة مسّتْ حوافيها
دوّامةَ الحُزِنْ.. وأأيّوبُ ذاكْ؟
أم أن أمنيّه
يقذفُها قلبي، فألفيها
ماثلةً في ناظري حيّه؟
غيلان، يا غيلان، عانقْ أباك !"
يا ربِّ لا شكوى ولا من عتاب،
ألستَ أنت الصانعَ الجِسمْا؟
فمن يلوم الزارع التَمّا
من حوله الزرعُ، فشاء الخراب
لزهرةٍ والماءَ للثانيه؟
هيهات تشكو نفسيَ الراضيه.
إني لأدري أنّ يومَ الشفاء
يلمحُ في الغيْبِ،
سينزع الأحزانَ من قلبي
وينزع الداء، فأرمي الدواء،
أرمي العصا، أعدو إلى دارنا وأقطف الأزهار في دَرْبي
ألمّ منها باقةً ناضره
أرفُعها للزوجةِ الصابره
وبيْنها ما ظلّ من قلبي !

درم - 6/ 1 / 1936

* ديوان بدر شاكر السّياب - المجلد الأول - دار العودة - بيروت

السبت، أبريل 17، 2010

صلاح جاهين - البيانولا

-حلم الطفولة في تقاطع شارع بورسعيد والأزهر في ليلة شتوية ممطرة-

أنــا دبــت وجزمتـى نعلهـا داب
مــن كتــر التدويــر عَ الأحبـاب
يـا سلمـلم لــو أعتــر فـى حبيب
ده أنا أرقـص من كتـر الإعجاب
كدهه ! كدهه ! كدهه !
أنـــا قلبـــى مزيكـــه بمفاتيـــح
من لمســه يغنــى لــك تفاريــح
مــع إنــى ما فطرتــش وجعــان
ومعـــــذب ومتيـــــم وجريــــح
باتنطط واتعفرت واترقص كدهه
كدهه ! كدهه ! كدهه !
بيانـــولا وألابنضـــه وحركــات
أطلعى بقى يا نصاص يا فرنكات
أنـا عازمـك يا حبيـبى لما ألاقيك
علـى فسحـة فى جميـع الطرقات
نتنـطط نتعـفـرت نترقـص كدهه
كدهه ! كدهه ! كدهه !

الأعمال الكاملة لصلاح جاهين - الجزء الثانى - الأغانى - مركز الأهرام للنشر و الترجمة
الأغنية بصوت سامية جاهين وفرقة إسكندريلا

الأحد، أبريل 11، 2010

محمود درويش - حجر كنعاني في البحر الميت

لا باب يفتحه أمامي البحر
قلت: قصيدتي‏
حجر يطير إلى أبي حجلاً، أتعلم يا أبي‏
ما حل بي؟ لا باب يغلقه علي البحر، لا‏
مرآة أكسرها لينتشر الطريق حصى.. أمامي‏
أو زبد...‏
هل من أحد..‏
يبكي على أحد لأحمل نايه‏
عنه، وأظهر ما تبطن من حطامي
أنا من رعاة الملح في الأغوار. ينقر طائر‏
لغتي، ويبني عش زرقته المبعثر في خيامي‏
هل من بلد‏
ينسل مني كي أراه، كما أريد وكي يراني‏
في الشاطىء الغربي من نفسي على حجر الأبد
هذا غيابك كله شجر، يطل عليك منك‏
ومن دخاني‏
نامت أريحا تحت نخلتها القديمة، لم أجد أحداً يهز سريرها: هدأت قوافلهم فنامي..‏
وبحثت لاسمي عن أب لاسمي، فشقتني عصاً سحرية، قتلاي أم رؤياي تطلع من منامي
الأنبياء جميعهم أهلي، ولكن السماء بعيدة عن أرضها، وأنا بعيد عن كلامي‏
لا ريح ترفعني إلى أعلى من الماضي هنا‏
لا ريح ترفع موجة عن ملح هذا البحر، لا‏
رايات للموتى لكي يستسلموا فيها، ولا‏
أصوات للأحياء كي يتبادلوا خطب السلام..‏
البحر يحمل ظلي الفضي عند الفجر‏
يرشدني إلى كلماتي الأولى لثدي المرأة
الأولى، ويحيا ميتاً‏
في رقصة الوثني حول فضائه‏
والبحر مات، من الرتابة، في وصايا لا تموت‏
وأنا أنا، إن كنت أنت هناك أنت، أنا الغريب‏
عن نخلة الصحراء منذ ولدت في هذا الزحام‏
وأنا أنا، حرب علي وفي حرب.. يا غريب‏
علق سلاحك فوق نخلتنا، لأزرع حنطتي‏
في حقل كنعان المقدس.. خذ نبيذاً من جراري‏
خذ صفحة من سفر آلهتي.. وقسطاً من طعامي‏
وخذ الغزالة من فخاخ غنائنا الرعوي، خذ‏
صلوات كنعانية في عيد كرمتها، وخذ عاداتنا‏
في الري، خذ منا دروس البيت. ضع‏
حجراً من الآجر، وارفع فوقه برج الحمام‏
لتكون منا إن أردت، وجار حنطتنا وخذ‏
منا نجوم الأبجدية، يا غريب‏
واكتب رسالات السماء معي إلى‏
خوف الشعوب من الطبيعة والشعوب‏
وأترك أريحا تحت نخلتها، ولا تسرق منامي‏
أتيت... ثم قتلت.. ثم ورثت، كي‏
يزداد هذا البحر ملحاً‏
وأنا أنا أخضر عاماً بعد عام فوق جذع السنديان‏
هذا أنا، وأنا أنا، هنا مكاني في مكاني‏
والآن في الماضي أراك، كما أتيت، ولا تراني‏
والآن في الماضي أضيء لحاضري‏
غده.. فينأى بي زماني عن مكاني‏
حيناً، وينأى بي مكاني عن زماني..‏

ديوان أحد عشر كوكباً - 1992 - محمود درويش الأعمال الأولى - المجلد الثالث - دار رياض الريّس

الأربعاء، مارس 31، 2010

بهاء جاهين - تغريبه ابن السلطان حسن

-من وحى السيرة الهلالية-


لسه بأسمع صوت بهاء جاهين وعمرو عبد العليم وآيه حميدة في إلقاء القصيدة دي بيدوي في وداني زي ما تكون الأمسية كانت إمبارح

*

عشق البنات البيض
فى الشرق غربنى
فى الغرب شرقنى
إلهى يحرقهم ويحرقنى !
أبويا قالى بلاش
كان حقه يضربنى
يسيبنى أرعى فى أرضه زى الحنش
زى المعيز والسوام

الملك لك لك شقشق الكروان
وز العراق هاجر لأرض بعيد
يا ألف رحمة ونور عليك يابا
إدانى فى يمينى كتاب الله
وقالى" روح يا ابنى
ما تروحش أرض الشام
جيش الزناتى فى غابه الزيتون مستنى
أنا قلت له " تونس بعيد يابا
مهر البنات البيض هناك غالى
مهر البنات البيض هناك الدم "
"إحلف لى ع المصحف يمين الله"
حطيت يمينى وما فتحت الفم
ساب الكتاب فى يمينى .. ودخل نام

الشرق ضلم .. قلت أزور الغرب
برك الجمل بيَّ فى أرض الشام
ميلت أنام
خطفتنى نداهه
ملكه بلاد الشام
على خدها شامه
وفى صدرها التعبان
وناس ياما
داخلين وخارجين بالعنب والتين
حاملين رسايل من ملوك أعجام
ملكة بلاد الشام وأرض الشام
تؤمر وتنهى وتبتسم وتكشر
وفى حجرها السمسم م قشره متقشر
بمشطها العاج نعكشت شعرها
ملكه بلاد الشام
بالليل بتهجر قصرها
حافيه فى قميص نومها الحرير
تنده على الموعود من الفرسان
خدتنى من ايدى وأنا نعسان
وقعدتنى جنبها ع العرش

وبقيت أفليها وأقول الله
فى حجرها السمسم وأقول الله
كتاكيتها خضر وسود وأقول الله
قلت لها قملك حلو
رفستنى
وبقيت فى أسفل عرشها.. خدام !

أنا ابن سلطان الهلالية
أبويا بيموت والطبيب الله
الملك لك لك شقشق الكروان
سبت الأطبا محتارين فى دواه
قلت أزور الغرب
الشرق ضلم .. قلت أزور الغرب
وف صدرها التعبان
ملفوف ومستنى
النجدة يا نجد العرب
أنا ابن سلطان الزمان
عشق البنات البيض كسر سيفى
وجيش الزناتى فى غابه الزيتون مستنى
"ماتروحش أرض الشام"
ومالى طبيب
يشفينى من التغريب فى أرض الله
لفيت بلاد الله خلق الله
بلد تاخدنى لفوق
وبلد توطينى
ولا لاقى فى السموات
ولا نجمة تهدينى
يا ألف رحمة ونور عليك يابا
من غير ما أشوفه شيعوا الجثمان
ولما فح فى صدرها التعبان
لميت هدومى وقلت طير يا جمل
يا أبو خف متحنى
جيش الزناتى فى غابة الزيتون مستنى

وفى شرق مصر بكيت
سجد الجمل لله ..
لقيت صبية بتملا من الترعه
ريقى اللى عطشان م السفر كلمها
سايق عليكى النبى
انا مش جمل يا صبية
حتى الجمل عطشان
يا صبية يا مصرية الأوطان

من غير ما تسأل ميلت بالزلعه
وشربت .. وسيقت الجمل .. وارتويت
ومسحت فمى بكمى وحمدت الإله
قالت : غريب ؟
قلت لها : عابر سبيل
عابر سبيل يا صبية دلينى
قامت قالت لى : تعالى دارنا وخش
أبويا مات .. وأمى تحب الخير

خلعت نعليا على العتبات
وقلت ليلة أبات
لحد الصبح
أستغفر الله العظيم
باتت فى حضنى البنت طول الليل
وحلمت ..
إنى بأحج بيت الله

والملك لك لك شقشق الكروان
ولقيتنى لسه غريب عن الأوطان
بين السما والأرض متعلق
ولادغنى تعبان ..
والطبيب الله

الأربعاء، مارس 24، 2010

عز الدين المناصرة - جفرا

أرسلتْ لي داليةً وحجارةً كريمة
مَنْ لم يعرفْ جفرا فليدفن رأْسَهْ
من لم يعشق جفرا فليشنق نَفْسَهْ
فليشرب كأس السُمِّ العاري يذوي، يهوي ويموتْ
جفرا جاءت لزيارة بيروت
هل قتلوا جفرا عند الحاجز، هل صلبوها في تابوت؟!
*
جفرا أخبرني البلبلُ لّما نَقَّر حبَّاتِ الرمِّانْ
لّما وَتْوَتَ في أذني القمرُ الحاني في تشرينْ
هاجتْ تحت الماء طيورُ المرجانْ
شجرٌ قمريٌّ ذهبيٌّ يتدلّى في عاصفة الالونْ
جفرا عنبُ قلادتها ياقوتْ
هل قتلوا جفرا قرب الحاجز.. هل صلبوها في التابوت؟
*
تتصاعدُ أُغنيتي عَبْر سُهوب زرقاءْ
تتشابه أيام المنفى، كدتُ أقول:
تتشابه غابات الذبح هنا وهناك.
تتصاعد أغنيتي خضراء وحمراءْ
الأخضر يولد من الشهداء على الأحياء
الواحةُ تولد من نزف الجرحى
الفجرُ من الصبح إذا شَهَقَتْ حبّاتُ ندى الصبح المبوحْ
ترسلني جفرا للموت، ومن أجلك يا جفرا
تتصاعدُ أغنيتي الكُحيَّلة.
منديلُكِ في جيبي تذكارْ
لم ارفع صاريةً إلاَّ قلتُ: فِدى جفرا
ترتفع القاماتُ من الأضرحة وكدتُ اقولْ:
زَمَنٌ مُرٌّ جفرا.. كل مناديلك قبل الموت تجيءْ
في بيروت، الموتُ صلاةٌ دائمةٌ والقتل جريدتُهُمْ
قهوتُهمْ، والقتل شرابُ لياليهمْ
القتل اذا جفَّ الكأس مُغنّيهمْ
وإذا ذبحوا.. سَمَّوا باسمك يابيروت .
سأعوذُ بعُمّال التبغ الجبليّ المنظومْ
هل كانت بيروتُ عروساً، هل كانت عادلةً.. ليست بيروتْ
إنْ هي إلاّ وجع التبغ المنظومْ
حبَّاتُ قلادته انكسرتْ في يوم مشؤومْ
إنْ هي إلاّ همهمة لصيّادين إذا غضب البحر عليهمْ
إنْ هي إلاّ جسد إبراهيم
إنْ هي إلاّ ابناؤك يا جفرا يتعاطون حنيناً مسحوقاً في فجرٍ ملغومْ
إنْ هي إلاّ اسوارك مريامْ
إنْ هي إلاّ عنبُ الشام
ما كانت بيروت وليستْ، لكنْ تتواقد فيها الاضدادْ
خلفكِ رومٌ
وأمامكِ رومْ!!
*
للأشجار العاشقة أُغنّي.
للأرصفة الصلبة، للحبّ أُغنّي.
للسيّدة الحاملة الأسرار رموزاً في سلَّة تينْ
تركض عبر الجسر الممنوع علينا، تحمل أشواق المنفينْ
سأغني.
لرفاقٍ لي في السجن الكحليّ، أُغني
لرفاقٍ لي في القبر، أغني
لامرأةٍ بقناعٍ في باب الأسباط، أغني
للعاصفة الخضراء، أغني
للولد الاندلسيّ المقتول على النبع الريفيّ، اغنّي.
لعصافير الثلج تُزقزقُ في عَتَبات الدورْ
للبنت المجدولة كالحورْ
لشرائطها البيضاء
للفتنة في عاصفة الرقص الوحشيْ
سأغنّي.
هل قتلوا جفرا؟
الليلةَ جئنا لننام هنا سيّدتي.. يا أُمَّ الأنهارْ
يا خالة هذا المرج الفضيْ
يا جدَّة قنديل الزيتونْ
هل قتلوا جفرا؟
الليلة جئناكِ نغّني.
للشعر المكتوب على أرصفة الشهداء المغمورين، نُغنّي
للعمّال المطرودين، نغّني
ولجفرا.. سنُغنّي.
جفرا.. لم تنزل وادي البادان ولم تركضْ في وادي شُعَيبْ
وضفائرُ جفرا، قصّوها عن الحاجز، كانت حين تزور الماءْ
يعشقها الماء.. وتهتز زهور النرجس حول الاثداء
جفرا، الوطن المَسْبيْ
الزهرةُ والطلْقةُ والعاصفة الحمراءْ
جفرا.. إنْ لم يعرفْ من لم يعرفْ غابة تُفَّاحٍ
ورفيفُ حمام.. وقصائد للفقراءْ
جفرا.. من لم يعشق جفرا
فليدفنْ هذا الرأس الأخضر في الرَمْضاءْ
أرخيتُ سهامي، قلتُ: يموتُ القاتل بالقهر المكبوتْ

منْ لم يخلع عين الغول الأصفر ... تبلعُهُ الصحراء.
جفرا عنبُ قلادتها ياقوتْ
جفرا، هل طارت جفرا لزيارة بيروت؟
جفرا كانت خلف الشُبَّاك تنوحْ
جفرا.. كانت تنشد أشعاراً.. وتبوحْ
بالسرّ المدفونْ
في شاطيء عكّا.. وتغنّي
وأنا لعيونكِ يا جفرا سأغنّي
سأغنّي
سأُغنّي.
لصليبكِ يا بيروتُ أُغنّي.
كانتْ.. والآنَ: تعلّقُ فوق الصدر مناجل للزرعِ وفوق
الثغر حماماتٌ بريّةْ.
النهدُ على النهدِ، الزهرةُ تحكي للنحلةِ، الماعز سمراء،
الوعلُ بلون البحر، عيونكِ فيروزٌ يا جفرا.
وهناك بقايا الرومان: السلسلةُ على شبكة صليبٍ.. هل
عرفوا شجر قلادتها من خشب اليُسْرِ وهل
عرفوا أسرار حنين النوقْ
حقلٌ من قصبٍ، كان حنيني
للبئر وللدوريّ إذا غنَّى لربيعٍ مشنوقْ
قلبي مدفونٌ تحت شجيرة برقوقْ
قلبي في شارع سَرْوٍ مصفوفٍ فوق عِراقّية أُمّي
قلبي في المدرسة الغربيّةْ
قلبي في النادي، في الطلل الأسمر في حرف نداءٍ في السوقْ.
جفرا، أذكرها تحمل جرَّتها الخمرية قرب النبعْ
جفرا، أذكرها تلحق بالباص القرويْ
جفرا، أذكرها طالبةً في جامعة العشّاقْ.
من يشربْ قهوته في الفجر وينسى جفرا
فَلْيدفنْ رأسَهْ
مَنْ يأكلْ كِسْرتَهُ الساخنة البيضاءْ
مَنْ يلتهم الأصداف البحرية في المطعم ينهشُها كالذئبْ
من يأوي لِفراش حبيبتهِ، حتى ينسى الجَفْرا
فليشنقْ نفَسَهْ.
جفرا ظلَّتْ تبكي، ظلَّتْ تركض في بيروتْ
وأبو الليل الاخضرِ، من أجلكِ يا جفرا
يشهقُ من قهرٍ شهقتَهُ.. ويموت!

الأعمال الكاملة لعز الدين المناصرة - المؤسسة العربية للدراسات والنشر