الأحد، أبريل 11، 2010

محمود درويش - حجر كنعاني في البحر الميت

لا باب يفتحه أمامي البحر
قلت: قصيدتي‏
حجر يطير إلى أبي حجلاً، أتعلم يا أبي‏
ما حل بي؟ لا باب يغلقه علي البحر، لا‏
مرآة أكسرها لينتشر الطريق حصى.. أمامي‏
أو زبد...‏
هل من أحد..‏
يبكي على أحد لأحمل نايه‏
عنه، وأظهر ما تبطن من حطامي
أنا من رعاة الملح في الأغوار. ينقر طائر‏
لغتي، ويبني عش زرقته المبعثر في خيامي‏
هل من بلد‏
ينسل مني كي أراه، كما أريد وكي يراني‏
في الشاطىء الغربي من نفسي على حجر الأبد
هذا غيابك كله شجر، يطل عليك منك‏
ومن دخاني‏
نامت أريحا تحت نخلتها القديمة، لم أجد أحداً يهز سريرها: هدأت قوافلهم فنامي..‏
وبحثت لاسمي عن أب لاسمي، فشقتني عصاً سحرية، قتلاي أم رؤياي تطلع من منامي
الأنبياء جميعهم أهلي، ولكن السماء بعيدة عن أرضها، وأنا بعيد عن كلامي‏
لا ريح ترفعني إلى أعلى من الماضي هنا‏
لا ريح ترفع موجة عن ملح هذا البحر، لا‏
رايات للموتى لكي يستسلموا فيها، ولا‏
أصوات للأحياء كي يتبادلوا خطب السلام..‏
البحر يحمل ظلي الفضي عند الفجر‏
يرشدني إلى كلماتي الأولى لثدي المرأة
الأولى، ويحيا ميتاً‏
في رقصة الوثني حول فضائه‏
والبحر مات، من الرتابة، في وصايا لا تموت‏
وأنا أنا، إن كنت أنت هناك أنت، أنا الغريب‏
عن نخلة الصحراء منذ ولدت في هذا الزحام‏
وأنا أنا، حرب علي وفي حرب.. يا غريب‏
علق سلاحك فوق نخلتنا، لأزرع حنطتي‏
في حقل كنعان المقدس.. خذ نبيذاً من جراري‏
خذ صفحة من سفر آلهتي.. وقسطاً من طعامي‏
وخذ الغزالة من فخاخ غنائنا الرعوي، خذ‏
صلوات كنعانية في عيد كرمتها، وخذ عاداتنا‏
في الري، خذ منا دروس البيت. ضع‏
حجراً من الآجر، وارفع فوقه برج الحمام‏
لتكون منا إن أردت، وجار حنطتنا وخذ‏
منا نجوم الأبجدية، يا غريب‏
واكتب رسالات السماء معي إلى‏
خوف الشعوب من الطبيعة والشعوب‏
وأترك أريحا تحت نخلتها، ولا تسرق منامي‏
أتيت... ثم قتلت.. ثم ورثت، كي‏
يزداد هذا البحر ملحاً‏
وأنا أنا أخضر عاماً بعد عام فوق جذع السنديان‏
هذا أنا، وأنا أنا، هنا مكاني في مكاني‏
والآن في الماضي أراك، كما أتيت، ولا تراني‏
والآن في الماضي أضيء لحاضري‏
غده.. فينأى بي زماني عن مكاني‏
حيناً، وينأى بي مكاني عن زماني..‏

ديوان أحد عشر كوكباً - 1992 - محمود درويش الأعمال الأولى - المجلد الثالث - دار رياض الريّس

ليست هناك تعليقات: