الاثنين، ديسمبر 05، 2011

بهاء جاهين - ست الحسن

قابليني يوم
في أول المنيل
في خمسة سبتمبر سنة تلاتين

قابليني تحت الرَبْع في القلعة
في جامع السلطان حسن شمعة
و في الرفاعي مقام وناس مساكين

أنا مش ح اقول لك حددي لي معاد
قابليني صدفة واحنا متخاصمين
في السيدة زينب في حارة جاد
أو ستة شارع ساقية الطواحين

قابليني في البرج اللي تحت البير
قابليني في الأحلام وفي الطوابير
في اسكندرية وشندويل وشبين
قابليني في محطة فراق القطر
قابليني في مصحة لقا المجانين

عارفك أنا. مش بالشَبَه بالعطر
مسك الحسين وروايح البساتين
ملح البيوت اللي أكلها البحر
ريحة سحالي الأرض والجعارين


* * *

قابليني عند وزارة الصحة
و اشفيني من ريحة الدوا
قابليني في نَفَس الهوا
و اشفيني م الكحة

قابليني عند تقاطع الألفي وعماد الدين
شَحَّاتة في إشارة المرور
بتبيعي مناديل الورق ويس

قابليني في الشبورة في دولاب الهدوم
وأنا بابكي في الملايات وفي الفساتين
أنا من زمان وأنا بافتح الجرانين
و باتوه من العناوين
أنا من زمان و أنا بافتح المَنْدَّل
ما بشوفش غير مَنْزَّل
أنا من زمان وأنا بافتح الكوتشينة واقرا تنوة الفناجين
ما بشوفش غير شارع لا بيوَصَّل
و لا بأقابلك فيه


* * *

قابليني بين الخُرس والمعاتيه
قابليني في الخيشة اللي في الجردل
قابليني في الحزن اللي عارفك بيه
أنا يا صبية مانيش بتاع أفراح
و لا قصر م الحواديت وبهو سفيه
أنا من هنا .. من شارع السَيَّالة
فواعلي طوب واقع من السقَّالة

باترجَّى فيكي وانتي مش سامعة
قابليني يوم جمعة
بعد الصلاة، و خديني ع النقالة
و ارميني وسط الشحاتين العُمي
يمكن أشوف وشك عجيب الضي
اللي لا شافه إنس ولا عفريت
يا وش ست الحسن في الحواديت

ديوان كوفية صوف للشتاء .. دار ميريت
بصوت بهاء جاهين

الثلاثاء، نوفمبر 01، 2011

أمل دنقل - الموت في الفراش

(بيان)
أيها السادةُ، لم يبقَ اختيار
سقط المُهرُ من الإعياء،
وانحلَت سيورُ العَرَبة
ضاقت الدائرةُ السوداءُ حول الرقة
صدرنا يلمسهُ السيفُ،
وفي الظَّهرِ: الجدار!
………………….
أيها السادةُ لم يبقَ انتظار
قد منعنا جزيةَ الصمتِ لمملوكٍ وعَبد
وقطعنا شعرة الوالي ” ابنِ هند “
ليس ما نخسرهُ الآنَ.
سوى الرحلةِ من مقهى إلى مقهى..
ومن عارٍ.. لِعَار!!


(1)
على محطات القُرى..
ترسو قطاراتُ السهاد
فتنطوي أجنحة الغبار في استرخاءةِ الدنوّ
والنسوةُ المتشحاتُ بالسواد
تحت المصابيح، على أرصفة الرسو
ذابت عيونُهن في التحديقِ والرنو
على وجوه الغائبين منذ أعوام الحداد
تشرق من دائرةِ الأحزان والسلو
………………….
ينظرن.. حتى تتآكل العيون
تتآكل الليالي.
تتآكل القطارات من الرواحِ والغدو
والغائبون في تراب الوطنِ – العدو
لا يَرجعون للبلاد..
لا يخلعون معطفَ الوحشةِ عن مناكبِ الأعياد!


(2)
نافورة حمراء.
طفل يبيع الفُلَّ بين العَرَبات
مقتولة تنتظر السيارة البيضاء
كلبٌ يحكُّ أنفه على عمود النور
مقهى. ومذياعٌ ونَرٌد صاخبٌ، وطاولات
ألويةٌ مَلوية الأعناق فوق الساريات.
أنديةٌ ليلية
كتابةٌ ضوئية
الصحف الداميةُ العنوان.. بيضُ الصفحات.
حوائط، ومُلصقات…
تدعو لرؤية (الأب الجالس فوق الشجرة)
والثورةِ المنتصرة!
إيقاعات:
سرحانُ يا سرحان
والصمتُ قَد هدَّك
حتى متى وحدك
يخفِرُك السجان؟
………………….
نَقتُلُ، أو نُقتَل
هذا الخيارُ الصعب
وشلنا بالرعب..
تردُّدُ العُزَّل
………………….
في البيت في الميدان
نُقتَلُ يا سرحان!


(3)
أبخرة الشاي تدور في الفناجين، وتشرئب
يلتمُّ شمل العائلة
.. إلا الذي في الصحراء القاحلة
يرقدُ في أمعاء طائر وذئب
(يهبط من صورته المقابلة
يلتف حول رأسِه الدامي شريطُ الحزن
يجلس قربَ الركن.
يصغى إلى ثرثرةِ الأفواهِ والملاعق المُبتذَلَة
ينشقُّ في وقفته.. نصفين
يصبُّ في منتصف الفنجان.. قطرتين
من دمه،
ينكسرُ الفنجان.. شظيتين)
ينكسرُ النسيان
وهو يعود باكيًا إلى إطارِ الصورةِ المُجلَّلَة
بآيةِ القرآن!
إيقاعات:
الدم قبلَ النوم
نلبسه.. رداء
والدم صار ماء
يُراقُ كل يوم
………………….
الدمُ في الوسائد
بلونه الداكن
واللبن الساخن
تبيعهُ الجرائد.
………………….
اللبنُ الفاسد
اللبنُ الفاسد
اللبن الفاسد
يُخفي الدَّم – الشاهد


 (4)
”أموتُ في الفِراش.. مثلما تموتُ البعير“
أموت. والنفير
يدقُّ في دمشق..
أموت في الشارعِ: في العطور والأزياء
أموتُ والأعداء..
تدوس وجهَ الحق
”وما بجسمي موضع إلا وفيه طعنة برمح“
.. إلا وفيه جُرح،
إذَن.
”فلا نامت عيون الجبناء“.

ديوان مراثي اليمامة - الأعمال الكاملة - مكتبة مدبولي

الخميس، أكتوبر 13، 2011

بدر شاكر السيّاب - سفر أيوب

لك الحمد مهما استطال البلاء
ومهما استبدّ الألم،
لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وان المصيبات بعض الكرم.
ألم تُعطني أنت هذا الظلام
وأعطيتني أنت هذا السّحر؟
فهل تشكر الأرض قطر المطر
وتغضب إن لم يجدها الغمام؟
شهور طوال وهذي الجراح
تمزّق جنبي مثل المدى
ولا يهدأ الداء عند الصباح
ولا يمسح اللّيل أو جاعه بالردى.
ولكنّ أيّوب إن صاح صاح:
«لك الحمد، ان الرزايا ندى،
وإنّ الجراح هدايا الحبيب
أضمّ إلى الصّدر باقاتها
هداياك في خافقي لا تغيب،
هداياك مقبولة. هاتها!»
أشد جراحي وأهتف
بالعائدين:
«ألا فانظروا واحسدوني،
فهذى هدايا حبيبي
وإن مسّت النار حرّ الجبين
توهّمتُها قُبلة منك مجبولة من لهيب.
جميل هو السّهدُ أرعى سماك
بعينيّ حتى تغيب النجوم
ويلمس شبّاك داري سناك.
جميل هو الليل: أصداء بوم
وأبواق سيارة من بعيد
وآهاتُ مرضى، وأم تُعيد
أساطير آبائها للوليد.
وغابات ليل السُّهاد، الغيوم
تحجّبُ وجه السماء
وتجلوه تحت القمر.
وإن صاح أيوب كان النداء:
«لك الحمد يا رامياً بالقدر
ويا كاتباً، بعد ذاك، الشّفاء!»

لندن 26/12/1962

* ديوان بدر شاكر السّياب - المجلد الأول - دار العودة - بيروت

الأربعاء، سبتمبر 21، 2011

فؤاد حداد - موال الشيخ سعيد

كان يا ما كان شيخ سعيد أسمر عيونه وساع
في قعدته مرحبا والخطوه جدّ وساع
تعطف عليه الجنينه كل ساعه وساع
وتدور عليه الموالد


تدور عليه الموالد شيخ سعيد يا سعيد
مين غيرك اللي ح يجبر خاطر المكسور
من سبحتك يجري حمص يملا جرن صعيد
رقابينا يا هل ترى تشهد شهادة زور
يا شيخ سعيد الشجر بيندّي لما تزور
وتلالي في المندره تفتح لفوق وبعيد
تعزف على الجندره تبسط هدوم العيد
قال يا ولد يا اللي ماشي هناك على الحيطه

 والسقف زي السحالي  طل وإسعى لي
ح اعلمك صنعة الموال وطباته

إوعى توسوس توشوش خد نفس عالي

ودحرج النور على السلم وطباته

بعيد ولفوق

قلنا القوافي كتيره قالوا طب هاتوا
طلع لهم شيخ سعيد في أولى طبعاته
والجمهوريه بتطلع ويا طلعاته
شاور بكمه وجاب لك شارع الصاغه
وبعتره في ميدان المادنه والساعه
قال كل مين يسمعوني يفهموني كمان
عاشق بلادي بعبلها وبهبلها كمان
فِ العين وفِ الحلم واللي في بالها أحلى كمان
قلنا القوافي كتيره وربنا يرزق
باعلمك زهوة الموال وشباته
سبح بعرفه وضرب في الجو لباته
نادى حصان أبو زيد ع الشمس لباته
باتوا العرب فِ الترب ع الذل لم باته

بعت لهم كهربائي الجن لمباته

قلنا القوافي كتير وربنا يرزق
باعلمك صنعة المنقار مع الفسدق
علشان تقول عني يا فؤاد كلام يصدق
مش برضه إسمك فؤاد يا حته من كبدي
تقول لهم شيخ سعيد والقافيه شيخ دسق
كان بوسطجي مسحراتي في الندى الأبدي
ما كانش يقبل مماينه وكان جريء بلدي
حتى الأمير في الطلاينه كان جريء بلدي
أفضل أموت م العطش إلا إن جا ريق بلدي
قمر الصحاري بطش بمحرم الموال
عقلك بشمس إتلطش طمني كيف الحال
سمعني تحت الرحال برهوم في الحاره
نوح البنات العذارى يا أبو زيد هلال
ندا العتابا وردة يابا بالشامي


"نحنا فرغ صبرنا

لما إتملى خيرنا

ماشيين على قبرنا

روحنا في مناخيرنا"

 
إطفي النجف من عماد الدين وبرشامي
ح اسمعك يا فؤاد موال من الأصلي
إذا خيال القمر في الماء ترقص لي
يا ليل يا ليل غيهبي يا ليل غبي يا ليل
الإنجليزي هابي و أنا شيخ سعيد يا ليل

وباعرف إن الظلام إسمه ظلام يا ليل

وإسمه الكتوم والقتام واسقي المدام يا ليل

أنا باعرف إن الظلام إسمه نواهنّ

وبعدهن شهورا لا نراهنّ

على الجميلات من بعد الهوى هنّا

 
قمر الصحاري بيعرج زي صباره
معلقه خردوات وخرق وتين شوكي
كأنه بوابة المتولي سهاره
ضربوها فضه وعاج وفيروز على ذوقي
يا شيخ سعيد ليه رجعت لأول الحاره
من آخر الحاره قال من لهفتي وشوقي
جبت اللي سحّرتهم سكنتهم فوقي
يربوا فوق السطوح زغاريد وتوليفه
يشتروا حمامات بالورد والليفه
قمر الصحاري كأنه جنيه بتعريفه
باعرف تمن كل شيء ما دمت أنا المغلوب
و أعرف دموع القمر لما ان سئل أيئوب

أنا شيخ سعيد وشيخ سيد وشيخ أيوب

وأنا شيخ غريب المغيب في عرق وطيوب

وأنا كنت شيخ إسماعيل وأنا كنت شيخ مهيوب

عسل البحيره يا بنها مشعشعه في قليوب

وأنا شيخ سروجي بروجي ع السفر وركوب

وأنا من عسل سرياقوس الإسود ومن نيروب

وأنا إمام كردفان تسجد معاه النوب

عطشان سقاني الطوفان غرقان وما لي نوب

ودي ليله فيها عمل ودا فجر فيه ملعوب

ما تبص ليش يا ولد حرف الألف مشطوب

وشي الجميل إنجلد مستنظرينه يتوب

ع الشعاع والحصى والدم لما يدوب

صوتي اللي يفرح بلد يصبح صفيح سرساع
كأنه سر وذاع
كأنه سر وضاع
كأنه سر بتاع
واحد بتاع مواويل
لا كان سعيد ولا كان أسمر ولا كان عيونه وساع

من ديوان تسالي بالمزاج و القهر (لا وانت الصادق) - الأعمال الكاملة - المجلد الخامس - الهيئة العامة لقصور الثقافة

الأحد، أغسطس 28، 2011

صلاح جاهين - كلام ليوسف حلمي

- الأستاذ يوسف حلمى ..!
أهلا عمى ..
لأ مش م البيت، أنا باتكلم م الشارع.
حلوه ! على رأيك، ما هو بيتنا الشارع ..
كنت فى سهرة وراجع،
قلت اتكلم، واهو من حظى لقيتك،
مع ان – تصور ؟ -
وانا بانقل أرقام التليفون، من نوتة لنوتة،
جيت عندك، قام شىء ملعون قال: لأ ، ما خلاص ..
ومشيت سطرين
والتالت قلت: لا يمكن يوسف حلمى خلاص..
ورجعت كتبت الاسم، ما خلّصنيش،
شوف الاخلاص ..
كانت سهرة جميلة ..
ايوه .. الشله اياها .. تسلم وتعيش ..
كانت وحياة النبى عايزاك ..
غنينا يا سيدى حاجات سيد درويش ..
معلهش .. ما هو انت برضه كنت هناك ..
انت تمللى معانا، وحوالينا، وبيننا،
موت مين ده يابو حجاج اللى يخبيك منا؟!..
يعنى كان خبا الشيخ سيد؟.. ما هو زى الجن،
ولا لحظة بيهمد ولا بيوِّن
فى المسرح، فى المصنع، فى الغيط، فى المدرسة،
فى السجن
ده وتر مشدود يابا،
لمسوه من كام ألف سنة، ولساه بيزن،
وكلام بيرن ،
رنة طويلة طويلة، بتضحك وتئن،
من قلب ربابة النيل على قلبه على قلبك على قلبى
على قلب الشمس الشموسة اللى الليلة قعدت جنبى .
- أيوه. كان فينا الليلة جماعة جداد ..
انضمت فوجه جديده، بنات وولاد.
طبعاً .. زى المعتاد،
صاحيين .. صاحيين .. صاحيين .. صاحيين.
قلنا يا سيدى – فضلة خيرك – "ماتفوقوا يا مصريين"
و "الحلوة دى قامت" ، و "السيّاس" ..
قلنا "بلادى بلادى" ..
تعرف؟ حسيت احساس ..
ان الشخص البلطجى ده اللى اسمه الموت
عاجز، قدام الناس ..
قلنا "يا هادى يا هادى".
البنت قالت لى: عرفت منين الغنوا دى؟..
قدمتك ليها، وسبتك واقف وياها ..
سبتك واقف بتكلمها، وتعلمها، وترعاها،
ما هو كله كلام …
أنا باتكلم م الشارع ،
والشارع فيه جامع،
والجامع مبنى بقى له ميات م الأعوام
انما شبابيكه كلام ، وبيبانه كلام ،
وعرايس أفريزه كلام ، وحيطانه …
والمعمارجى اللى بناه واقف قدامى، وبيكلمنى،
بيمد لى ايده، و بياخد كبريت منى،
بيولع، وبيضرب لى سلام …
يا سلام ..
موت مين ده يا يوسف حلمى اللى يحوشك عنى؟..
تصبح على خير. 


* الأعمال الكاملة لصلاح جاهين - أشعار العامية المصريّة - الأهرام

الأحد، يونيو 05، 2011

صلاح عبد الصبور : أغنية للشتاء

ينبئني شتاء هذا العام
أنني أموت وحدي
ذاتَ شتاء مثله, ذات شتاء
يُنبئني هذا المساء أنني أموت وحدي
ذات مساء مثله, ذات مساء
و أن أعوامي التي مضت كانت هباء
و أنني أقيم في العراء
ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي
مرتجف بردا
و أن قلبي ميت منذ الخريف
قد ذوى حين ذوت
أولُ أوراق الشجر
ثم هوى حين هوت
أول قطرة من المطر
و أن كل ليلة باردة تزيده بُعدا
في باطن الحجر
و أن دفء الصيف إن أتى ليوقظه
فلن يمد من خلال الثلج أذرعه
حاملة وردا
ينبئني شتاء هذا العام أن هيكلي مريض
و أن أنفاسيَ شوك
و أن كل خطوة في وسطها مغامرة
و قد أموت قبل أن تلحق رِجلٌ رِجلا
في زحمة المدينة المنهمرة
أموت لا يعرفني أحد
أموت لا يبكي أحد
و قد يُقال بين صحبي في مجامع المسامرة
مجلسه كان هنا, و قد عبر
فيمن عبر
يرحمُهُ الله
ينبئني شتاء هذا العام
أن ما ظننته شفاىَ كان سُمِّي
و أن هذا الشِعر حين هزَّني أسقطني
و لستُ أدري منذ كم من السنين قد جُرحت
لكنني من يومها ينزف رأسي
الشعر زلَّتي التي من أجلها هدمتُ ما بنيت
من أجلها خرجت
من أجلها صُلبت
و حينما عُلِّقتُ كان البرد و الظلمة و الرعدُ
ترجُّني خوفا
و حينما ناديته لم يستجب
عرفتُ أنني ضيَّعتُ ما أضعت
ينبئني شتاء هذا العام أننا لكي نعيش في الشتاء
لابد أن نخزُنَ من حرارة الصيف و ذكرياتهِ
دفئا
لكنني بعثرتُ في مطالع الخريف
كل غلالي
كل حنطتي, و حَبِّي
كان جزائى أن يقول لى الشتاء انني
ذات شتاء مثله
أموت وحدي
ذات شتاء مثله أموتُ وحدي


ديوان أحلام الفارس القديم الأعمال الكاملة لصلاح عبد الصبور .. المجلد الأول .. دار العودة

الأحد، مايو 29، 2011

محمود عزت - قنديل السينما

كانت الأسماك تتجول حولنا في السينما
تتجمع وتتفرق في مجموعات صغيرة
بينما تمضغين الفِشار كقط صغير يحملق في الشاشة
يرفع يده إلى الكيس الذي في يدي ببطء
ثم إلى فمه الصغير كالخاتم
كأنه يتثاءب
هكذا طوال الفيلم
أسمع صوت الفشار في فمكِ
فتطفو على روحي سحابة لبنيّة
نصعد برفق إلى السطح
ثم تطير
تحمل سمكة صغيرة وتطير
إلى أن أخطأت أناملك تقدير المسافة
ثم هبطت على كفي
فأضأتُ في الظلام
توهجت عظامي للحظةٍ كقنديل البحر
حين تمر أمامه السمكة الساهية، 
التي تسبح دون أن تفتح أكثر من نصف العين
وتجدف بذيلها دون رغبة
تمر.. فيضئ قنديل البحر من قلبه
يضئ من داخله
كمصباح تذكر فجأة
كعمود نور انتبه إلى مارة غريبة
في الشارع المظلم
فبَرْبَش مرتين ثم أضاء
كانت الأسماك الصغيرة تتجول حولنا
وبينما كنتِ تحدقين في الشاشة كالقط الصغير
يمضغ الفشار ويتثاءب وتفتش مخالبه الناعمة عن الكيس
كنت جواركِ في العتمةِ
انطفِأُ وأُضئ
انطفِأُ وأضئ.

* عن الكائنات النظيفة - دار ميريت - 2010

الاثنين، مايو 16، 2011

محمود درويش - لي حكمة المحكوم بالإعدام

ليَ حكمةُ المحكوم بالإعدامِ:
لا أشياءَ أملكُها لتملكني،

كتبتُ وصيَّتي بدمي:

"ثِقُوا بالماء يا سُكّان أُغنيتي!"

ونِمْتُ مُضرّجاً ومتوَّجاً بغدي...

حلِمْتُ بأنّ قلب الأرض أكبرُ

من خريطتها،

وأوضحُ من مراياها ومِشْنَقتي.

وهِمْتُ بغيمةٍ بيضاء تأخذني

الى أعلى

كأنني هُدْهُدٌ، والريحُ أجنحتي.

وعند الفجر، أَيقظني

نداءُ الحارس الليليِّ

من حُلْمي ومن لغتي:

ستحيا ميتةً أخرى،

فعدِّلْ في وصيّتك الأخيرة،

قد تأجَّل موعدُ الإعدام ثانيةً

سألت: الى متى؟

قال: أنتظر لتموت أكثر

قلتُ: لا أشياء أملكها لتملكني

كتبتُ وصيّتي بدمي:

"ثِقُوا بالماء

يا سُكّان أغنيتي!"

وأنا، وإن كنت الأخير

وأنا، وإن كُنْتُ الأخيرَ

وجدْتُ ما يكفي من الكلماتِ...

كلُّ قصيدةٍ رسمٌ

سأرسم للسنونو الآن خارطةَ الربيعِ

وللمُشاة على الرصيف الزيزفون

وللنساء اللازوردْ...

وأنا، سيحمِلُني الطريقُ

وسوف أحملُهُ على كتفي

الى أن يستعيدَ الشيءُ صورتَهُ،

كما هي،

واسمَه الأصليّ في ما بعد/

كلُّ قصيدة أُمٌّ

تفتش للسحابة عن أخيها

قرب بئر الماء:

"يا ولدي! سأعطيك البديلَ

فإنني حُبْلى..."/

وكُلُّ قصيدة حُلمٌ:

"حَلِمْتُ بأنّ لي حلماً"

سيحملني وأحملُهُ

الى أن أكتب السطر الأخيرَ

على رخام القبرِ:

"نِمْتُ... لكي أطير"

... وسوف أحمل للمسيح حذاءَهُ الشتويَّ

كي يمشي، ككُلِّ الناس،

من أعلى الجبال... الى البحيرة


* من ديوان لا تعتذر عما فعلت - الأعمال الكاملة الجديدة المجلد الأول - دار رياض الريس

الاثنين، مايو 09، 2011

مجدي نجيب - رسائل قصيرة إلى العصفور الأسمر

غنّى البلبل في ضلوعي
نزلت كل دموعي
نزلت فوق أسوار الرؤيا وباش الحزن
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


الليل مركبنا
والبحر كلامنا .. وملاحنا ..
نجم صغيّر أد العصفور
ورقيّق .. زي العصفور
ويحب النور
وإن شاف الموج محتار م الرعب ..
يطلع ويغني ..
ويصحّي .. ألف نهار
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


دايمًا باحلم بإيدينا بتحضن بعض
واحنا بنجري وسط الشارع ..
وعيون الشارع فوانيس م الورد
والمطر نازل سلالمُه ..
والقمر حاضن صحابُه
والنجم واقف ع الجدار
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


أنا في الأوده البردانه ..
راسي على كتفك ..
وانتي .. في اللحظه الدفيانه
راسك على كتفي
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


شفتك في عيون الناس
وشافوني الناس في عنيكي
طِلع الليل يدّن
سِكر الصبح المحتار
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


النهارده الصبح
كنت ماشي في الطريق
الشمس مونساني
زي ما تكون الصديق
والمدينه كلها
حاضنه أشواقي الكتيره
للأميره
ليكي إنتي
ياللي ابتسامتك
نغم حالم على وش النهار
فين إيدك نهرب
تحت الأمطار


المطر حرّك إيديه ..
المطر جوّايا
المطر جرّح عينيه ..
المطر جوّايا
المطر غرّقني ليه؟!
المطر جوّايا
خدني بقلبي
سلّمني للمسافات
وفضلت ماشي وانتي جنبي
وتهنا في الحكايات

واحشاني
الراديو والصوت الدافي
والصور اللي بيجري فيها اللون هربان م الضلّ الإسود
.. والنظره الصفصافي
والإيد اللي بتحيي الورد الأبيض


في الشتويه
طار العصفور الأسمر
حط العصفور الأسمر
وشفايفه ..
حاضنه الدنيا الورديه
الفرع الأخضر
إتحنّى بطعم البرد
وفضلت ماشي وانتي جنبي
وتهنا في الحكايات



* ديوان "الحب في زمن الحرب"

الجمعة، أبريل 29، 2011

أبو تمام - يوم الفراق لقد خلقت طويلا

يومَ الفراق لقدْ خلقتَ طويلا .:. لم تُبقِ لي جلداً ولا معقولا
لَوْ حارَ مُرتَادُ المَنِيَّة لَمْ يُرِدْ .:. إلا الفراقَ على النفوسِ دليلا
قالوا الرَّحِيلُ فَما شَككْتُ بأُنَها .:. نفسي عن الدنيا تريد رحيلا
الصَّبرُ أَجمَلُ غَيْرَ أَن تَلَدُّداً .:. في الحُب أَحرَى أَنْ يكونَ جَمِيلا
أتظنني أجدُ السبيلَ إلى العزا .:. وجدَ الحمامُ إذاً إليَّ سبيلا!
ردُّ الجموحِ الصعبِ أسهلُ مطلباً .:. من ردِّ دمعٍ قدْ أصابَ مسيلا
ذكرتكم الأنواءُ ذكري بعضكمْ .:. فبكتْ عليكمْ بكرة وأصيلا
وبنفسيَ القمرُ الذي بمحجَّر .:. أمسى مصوناً للنوى مبذولا
إني تأمَّلْتُ النَّوى فوجَدتُها .:. سَيْفاً عَليَّ معَ الهَوَى مسْلُولا
لا تأخذيني بالزمان، فليسَ لي .:. تبعاً ولستُ على الزمانِ كفيلا
مَنْ زَاحَفَ الأّيَّامَ ثُمَّ عَبَا لَها .:. غيرَ القناعة لمْ يزلْ مفلولا
من كانَ مرعى عزمِهِ وهمومِهِ .:. رَوضُ الأَماني لَم يَزَل مَهْزُولا
لَوْ جَازَ سُلطانُ القُنُوعِ وحُكْمُهُ .:. في الْخَلْقِ ما كانَ القَلِيلُ قَليلا
الرزْقَ لا تَكْمَدْ عليهِ فإنَّهُ .:. يَأْتي ولَمْ تَبْعَثْ إِليهِ رَسُولا
للّهِ دَرُّكِ أَيُّ مَعْبَرِ قَفْرَةٍ .:. لا يُوحشُ ابنَ البيضة الإجفيلا
بِنْتُ الفَضَاءِ متى تَخِدْ بِك لا تَدَعْ .:. في الصَّدْرِ مِنكَ على الفَلاةِ غلِيلا
أو ما تراها، ما تراها، هزَّة .:. تشأى العيونَ تعجرفاً وذميلا!
لوْ كانَ كلفها عبيدٌ حاجةً .:. يوماً لأنسيَ شدقماً وجديلا
بالسَّكْسكي المَاتِعي تَمَتَّعتْ .:. هممٌ ثنتْ طرفَ الزمان كليلا
لا تدعونْ نوحَ بن عمروٍ دعوةً .:. للخطبِ إلا أنْ يكونَ جليلا
يَقِظٌ إذا ما المُشكلاتُ عَرَوْنَهُ .:. ألْفَيْنَهُ المُتَبَسَّمَ البُهْلُولا
ما زَالَ يُبرِمُهُنَّ حتَّى إِنَهُ .:. لَيُقالُ، ما خَلَقَ الإِلَهُ سَحِيلا
ثَبْتُ المَقَامِ يرَى القَبيلَةَ واحِد .:. ويرى فيحسبُه القبيلُ قبيلا
كَمْ وَقْعَةٍ لكَ في المَكارِمِ فَخْمَةٍ .:. غادرْتَ فيها ما ملكتَ فتيلا
أوطأتَ أرضَ البُخلِ فيها غارةً .:. تَركَتْ حُزونَ الْحَادَثات سُهُولا
فَرَأّيْتَ أكثَرَ ما حَبَوْتَ مِنْ اللُّهى .:. نَزْراً وأصغَرَ ما شُكِرْتَ جَزِيلا
لَمْ يَتَّرِكْ في المَجْدِ مَنْ جَعَلَ النَّدى .:. في مالِهِ لِلمُعتَفِينَ وَكِيلا
أَولَيسَ عمْروٌ بَثَّ في الناسِ النَّدَى .:. حتّى اشتَهَينا أَن نُصِيبَ بَخِيلا
أشدُدْ يديك بحبلِ نوحٍ مُعصماً .:. تلقاه حَبلاً بالندى موصُولا
ذَاكَ الَّذي إِنْ كَانَ خِلَّكَ لم تَقُلْ .:. يا لَيْتَني لَمْ أَتَّخِذْه خَليلا

الجمعة، أبريل 22، 2011

بهاء جاهين - حاجات واحشاني

إلى صلاح جاهين

مفيش حاجات واحشاني
يمكن .. يجوز .. قلم رصاص أصفر
أستيكه أزرق فِ أخضر
ما يتمسحش الحبر في ثواني
أما الرصاص .. بيدوب ويتبخر
يا عملة تذكاريّه ناسياني
أنا ما نساكيش لو عمري يتبعتر
ولو ألملم مِ التراب إسمي
موشومه زي الحرق في جسمي
وحمة دمار .. في قلبي ولساني
ومفيش حاجات واحشاني
حصاله يمكن .. قرشها صدّى
طوفان برايز فضه
نازل من الحصاله .. وأغاني
ومفيش حاجات واحشاني
ولا حتى فيروز لما غنت زروني
ولا شجو شط اسكندريه
ولا حتى ريحة البحر واحشاني
ولا حتى خايف أقول اللي في قلبي ..
قلبي .. بالمقلوب .. وبالمعدول
حصاله فاضيه بلا حنين
ولا فيها حنيّه
ولا فِ حديد القلب أغنيه
ولا وش إنساني
ولا حاجه واحشاني
لكن .. واحشاني الراجل الساكت
بيبص لي
مستني حصالة الكلام تتملي
حَ أقولك إيه ؟ .. يا عيون في جلابيّه
يا حنان بشبشب صوف وبطاقيّه
كل قطورات الحبّ فاتت
كتاكيتي من يوم سقعة ماتت
الحب عنده برد .. وبيعطس شجن
عجوز بطرطور صوف وسراويل صوف
مفيش حاجات واحشاه
ولا قالش ياه من زمن
عايش وحيد وأنا زيّه وحداني
بيبص لي .. وبابص له
اتنين في عالم تاني
الراديو مات
ما عملتلوش مأتمًا
راديو قديم خشب الفيران ساكناه
كان نوره أخضر .. آه
يمكن .. يجوز ..
كان نور عجوز أخضر
وفيه حياه خضرا .. ما هيّاش واحشاني
مفيش حاجات واحشاني
ولا حتى "بالأحضان"
قال الطبيب ما افتحش أحضاني
ولا حتى "والله زمان"
راح اللي راح
خليني في زماني
ولا حتى آخر ورده في البستان
عندي رمد في العين ووجداني

ذكراك في كل ربيع
وكل ربيع
فيه الربيع ذكرى
فيه الربيع تعذيب مورستاني
ولا فيش حاجات واحشاني
إلا الشتا
الكلب البوليسي الضخم
والبطانيّه الميري .. آوياني.

* ديوان كوفيه صوف للشتا - دار ميريت - 2003

الأحد، أبريل 03، 2011

أبو الطيب المتنبي - أرَقٌ عَلى أرَقٍ وَمِثْلي يَأرَقُ

أرَقٌ عَلى أرَقٍ وَمِثْلي يَأرَقُ .:. وَجَوًى يَزيدُ وَعَبْرَةٌ تَتَرَقْرَقُ
جُهْدُ الصّبابَةِ أنْ تكونَ كما أُرَى .:. عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وقَلْبٌ يَخْفِقُ
مَا لاحَ بَرْقٌ أوْ تَرَنّمَ طائِرٌ .:. إلاّ انْثَنَيْتُ وَلي فُؤادٌ شَيّقُ
جَرّبْتُ مِنْ نَارِ الهَوَى ما تَنطَفي .:. نَارُ الغَضَا وَتَكِلُّ عَمّا يُحْرِقُ
وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ .:. فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ
وَعَذَرْتُهُمْ وعَرَفْتُ ذَنْبي أنّني .:. عَيّرْتُهُمْ فَلَقيتُ منهُمْ ما لَقُوا
أبَني أبِينَا نَحْنُ أهْلُ مَنَازِلٍ .:. أبَداً غُرابُ البَينِ فيها يَنْعَقُ
نَبْكي على الدّنْيا وَمَا مِنْ مَعْشَرٍ .:. جَمَعَتْهُمُ الدّنْيا فَلَمْ يَتَفَرّقُوا
أينَ الأكاسِرَةُ الجَبابِرَةُ الأُلى .:. كَنَزُوا الكُنُوزَ فَما بَقينَ وَلا بَقوا
من كلّ مَن ضاقَ الفَضاءُ بجيْشِهِ .:. حتى ثَوَى فَحَواهُ لَحدٌ ضَيّقُ
خُرْسٌ إذا نُودوا كأنْ لم يَعْلَمُوا .:. أنّ الكَلامَ لَهُمْ حَلالٌ مُطلَقُ
فَالمَوْتُ آتٍ وَالنُّفُوسُ نَفائِسٌ .:. وَالمُسْتَعِزُّ بِمَا لَدَيْهِ الأحْمَقُ
وَالمَرْءُ يأمُلُ وَالحَيَاةُ شَهِيّةٌ .:. وَالشّيْبُ أوْقَرُ وَالشّبيبَةُ أنْزَقُ
وَلَقَدْ بَكَيْتُ على الشَّبابِ وَلمّتي .:. مُسْوَدّةٌ وَلِمَاءِ وَجْهي رَوْنَقُ
حَذَراً عَلَيْهِ قَبلَ يَوْمِ فِراقِهِ .:. حتى لَكِدْتُ بمَاءِ جَفني أشرَقُ
أمّا بَنُو أوْسِ بنِ مَعْنِ بنِ الرّضَى .:. فأعزُّ مَنْ تُحْدَى إليهِ الأيْنُقُ
كَبّرْتُ حَوْلَ دِيارِهِمْ لمّا بَدَت .:. منها الشُّموسُ وَليسَ فيها المَشرِقُ
وعَجِبتُ من أرْضٍ سَحابُ أكفّهمْ .:. من فَوْقِها وَصُخورِها لا تُورِقُ
وَتَفُوحُ من طِيبِ الثّنَاءِ رَوَائِحٌ .:. لَهُمُ بكُلّ مكانَةٍ تُسْتَنشَقُ
مِسْكِيّةُ النّفَحاتِ إلاّ أنّهَا .:. وَحْشِيّةٌ بِسِواهُمُ لا تَعْبَقُ
أمُريدَ مِثْلِ مُحَمّدٍ في عَصْرِنَا .:. لا تَبْلُنَا بِطِلابِ ما لا يُلْحَقُ
لم يَخْلُقِ الرّحْمنُ مثلَ مُحَمّدٍ .:. أحَداً وَظَنّي أنّهُ لا يَخْلُقُ
يا ذا الذي يَهَبُ الكَثيرَ وَعِنْدَهُ .:. أنّي عَلَيْهِ بأخْذِهِ أتَصَدّقُ
أمْطِرْ عَليّ سَحَابَ جُودِكَ ثَرّةً .:. وَانظُرْ إليّ برَحْمَةٍ لا أغْرَقُ
كَذَبَ ابنُ فاعِلَةٍ يَقُولُ بجَهْلِهِ .:. ماتَ الكِرامُ وَأنْتَ حَيٌّ تُرْزَقُ

الأحد، مارس 20، 2011

عبد الرحمن الأبنودي - الدايره المقطوعه

إذا مش نازلين للناس ف بلاش
والزم بيتك
بيتك بيتك
وابلع صوتك
وافتكر اليوم ده
لإنه تاريخ موتى وموتك.


إذا مش نازلين للناس
فَ بلاش
مادام الدايرة ما كمّلاش
والحاجة ما تمّاش
وأصحاب الحاجة ما عارفاش
إيه المعني
وأى بطولة
فِ إن حياتنا
واحلى سنينَّا
يروحوا بلاش؟
حاجة ماراكباش!!


الله يخرب بيت الفكر
وبيت اليوم
اللى ورانا الفكر
لإن الفكر كتاب
و(عويضه)
حياته هباب وتراب.
عايش زمنه الكداب
زى العادة مرتاب!!
كنكة على دِمْس
ونفَس مقطوع فى الغاب
ماشبعناش عنه بُعد
وهوَّ ما شبعش غياب!!


(عويضه)
هناك فى الأرض
فى المدن الأُوَض
اللى نايمة على بعض!!


وأقولك
إيه اللى قطع الدايرة يا أمير
وخلى مابين النبى والخلْق
الغربة وتقطيع المشاوير؟
إن انا وانت
بنلعب طول العمر دورين:
طليعة وجماهير.
و(عويضه)
بينفخ موت الدِّمس
والعالم نِمْس.
العالم..
سرقة وقلْع ولبس
و(عويضه) بقلبه الجبس
اللى معلِّمُه
إمتى ما يحسش
وامتى يحسّ
بيعدِّى فى الأيام
جمل المراحيل.
زى ما عدَّاها
من أول ما اتخرط الكون
من أول ما طلع للدنيا
ووجد قبلُه فرعون!!


نفس الأيام
نفس النسخة
مطبوعةعلى كل الأعوام.
ماسمعشى بينا
ماسمعناش.
ما قابلناش.
مااتكلمناش.


ولإن حمول الأيام مش مرفوعة
إذا يد (عويضة) ما ترفعهاش.
والقولة الحقَّة مش حقّة


إذا صدر (عويضة)ما طلَّعهاش
والخطوة حَ تفضل مشلولة
إذا قُدّامنا (عويضة) ما خطَّاش.
ولإن دى حاجة(عويضة) لسّه ما يدركهاش
ولا يدركناش ولا يعرفناش
ولإننا لما دبحنا بعض مناقشه
على القهوة لاجل البشريه
(عويضة) ما سمعناش
تبقى الدايرة ما دايراش!!


واما ييجى المخبر
يسحبنا عَ الزنازين
لازم نبقى عارفين
إن السَّحبه ببلاش
وان الحدوته ما لافَّاش
ف الدايره ما تامَّاش
والدنيا ما حِلْواش
وان (عويضه)
لما قِبل الظلم ماماتْش
إحنا مُتنا
وهوَّ عاش!!


الحاجز أكبر من
كل الأحلام واسْمَك
من جهلى وجهلك
واسمى واسمك!!


مش حتعلمنى أكتر ما اتعلمت
روح
علِّم أبو الواد والبت
اللى حَ يرميهم
فى فرن الثوره
يطيبوا بُكره
واللى لحد الوقت
مايعرفشى إزاى يكتب
وازاى يقرا
وازاى يعشق
وازاى يكره
ولا عنده فكره
عنك.. أو عن بكره
ولا ليك ذكري
لا انا ولا انت
نجحنا فِ تغيير الفكره!!


الفاس يردم بذرة
المنجل يحصد سبلة
الشغل يجيب أجرة
وانت بعيـــد
بحكايةما مفهوماش!!
بينَّنا وبينُه شعْرة
وأرقّ من الشعرة
ده اللى مفروض
ناسج علم الثورة
وصانع بكرة
واحنا شهدا
مع إننا ماحاولناش
حاجة ماراكْباش!!

* الأعمال الكاملة لعبد الرحمن الأبنودي - الجزء الثاني - مكتبة الأسرة - الهيئة العامة للكتاب

الاثنين، فبراير 28، 2011

فؤاد حداد - قصيدة الشيطان

الشيطان طرقع لي بصباعُه
فز من عيني وقفز في الخيال
نار بتقدح ولا في طباعه
مية تحت التبن .. مية زلال
بسمته ما تقولش بسمة أمير
ضحكته زي انشكاح الضمير
شكله بين الفُريجي والحرامي
والخبير والناظر المستبد
الفِتكّ بارد وعامل حامي
صوته فيه الغطرسه والود
كل ما بيرخي النظر بيشد
خدت بالي .. قال لي خد بالك
كل حاجة بتنقلب للضد
وانت عارف حالي من حالك
وانت شايف رجلي شايلاني
زي واحد شايل التاني
وانت فاهم قصدي يا شاعر
والكلام مش بس بلساني
والمثل قال الشيطان شاطر
جيت في وقتي مش كدا حاضر
حافظ الدور اللي مرسوم لي
بس مهما مشيت على المرسوم
الخيوط مش كلها ف إيدك
استقل بنفسي عند اللزوم
شيء ظريف يا عم صدقني
شيء ظريف إنك تنطقني
شيء ظريف تفتل لي من دقني
بهلوان أراجوز أديب شحات
أنزل الميادين وألف الساحات
وأمشي أتنطط في بعض الساعات
لو قروني مية تبقى نافوره
بص شوف قدامك العصفوره
خلي عينك دوغري تلقط صوره
خلي أفكارك تلم الشتات
من بعيد اخترت لك شيء ظريف
من قريب اخترت لك بالذات
التويوتا واقفة جنب الرصيف
نقل بالأجر لجميع الجهات
اتضح لي من الشعار اللطيف
اللي أدرجها ف بند الفئات
إن أنواع المكن والتروس
زي أجناس البشر والنفوس
عايشه ف الدنيا بمزاج النفوس
جاية للدنيا بضنى الأمهات
بص شوف بدع التسعة اشهر
اليابان أم الترانزستور
النهارده بفنها البارع
م الحديد صنعت نسيم يخطر
مَشْوَرت بلكونه ف الشارع
هي رقه دقه وجديده
هي تحفه إنما مفيده
قول مفيده إنما تحفه
هي ف الأمثال وهل يخفى
هي ف الفوازير إشي محندق
من وراها قلبها مفندق
هي ف عيوني الرومانسيه
شبه مرجيحة بشمسيه
ميل من الناحية دي يا حادي
سمع الأعراب إنشادي
انسيابها انسياب الجمل
تفتكر له من الطرب أجنحه
لما يهبط وقعته مفرحه
هي دي اللي حَ اتهبل السايق
لما تتغندر وتتعايق
هي في البرواز بتتفسح
فوق سطوح النور تقول فتّح
واخده لون أبيض على سمني
من مزيج العاج من الصيني
العريس هو اللي يفهمني
والسعيد هو اللي يقنيني
اللي يقنيها ولد سمهري
زي قلب الخس قلبه طري
يغوى حب الخير وعهد الوفا
وانت بتظنه غليظ القفا
حاج أفندي عربجي عصري
ابتذل فيها الهوى العذري
موت بغيظك والا اقولك إيه
لفّت البلية وحطت عليه
كل ما تدور عجلها تضيف
يعني بالميت كدا والنضيف
كل يوم كبشة ورق وجنيهات
والتويوتا راكنة جنب الرصيف
نقل بالأجر لجميع الجهات
في الهوا أربع خمس تفاحات
لما أقطف منها تفاحه
لو طبيعي كنت هاتقول هات
مش تقول أمريكا سفاحه
ياسلام بالذوق وبالعافيه
التزمت بمبدأ القافيه
والتزمت بقافيه المبدأ
دا صحيح ذهنك بيتفتق
عن كلام موزون ومترستق
مهما تشطح فيه ما يكدبشي
توّ ما بينقال خلاص يمشي
أعرفك بالحق علم اليقين
من ظنون في الجو متبعتره
خلي قلبك ملك إيدي اليمين
يوم ما يصبح سرّ تحت الثرى
أنبشه وأحكي عن اللي جرى
إنت هُو راكب من العتبه
في الطريق لمدينة الطلبه
جت في عينك صورة تتخايل
فيها شكل اللعبه والعجبه
حد غيرك عنها راح سائل
رأس مال .. والا عرض زائل
والا خفة يد مكتسبة
والا هي بجد .. مُغتصبه
وادّعت في عقلك المايل
إن سيد عصرنا مقاول
جزمته مسحوبة الرقبه
وانت عنده بتشتغل فاعل
طالع السقالة مش نازل
أنت أتعس من جمل ناقل
خطوته على ذمّة السَلَبَه
ظلّه يتلوّى ويتحايل
لاجل يخلص من صنم شايل
مطرحه وفوقه هرم هايل
والسبب في كل دي الغلبه
السبب في كل دي التخاريف
ع الوجيعه جت بوزن الآهات
التويوتا راكنه جنب الرصيف
نقل بالأجر لجميع الجهات
خروشه بتسمعني ولا حفيف
خدت شعرك من لساني الخفيف
صوتي ظلّم وانت زي الكفيف
خدّ بقى من الضلمه شعري أنا
سمّ بيشرّ فِ قوافي الهنا
فاكر الظلمه اللي في المصبنه
شحم بينزّ ف الضبيبه
كان صاحبها في طقم أبيض صيفي
زي ما انت شايف العربيه
فات عليك عليك في التضحيات ميت سنه
ولا يوم باهت غريب على كيفي
رجعت الأشياء سيرتها الغبيه
باستعير رأيك واقهقه وأقول
عشت فجر يشبه المغربيه
كنت فاكر إن ظله يطول
واتبلع في الظلمة يا بن الأصول
راحت الدنيا اللي كانت صبيه
كان زمان وأنا قلت لك يا ابني
أما دلوقتي بقول يابا
وانصحك يابا تعيش راضي
قول لفنك مهما كان قادر
مستحيل حَ اتغير الماضي
مستحيل حَ اتغير الحاضر
مستحيل حَ اتغير المستقبل
وانحسار الموج وخيبة الأهبل
والشتا اللي بيجي بعد الخريف
الهزيمة في الثلاث جبهات
والتويوتا راكنة جنب الرصيف
نقل بالأجر لجميع الجهات
 
1981

  * ديوان أيام العجب و الموت .. الأعمال الكاملة .. الهيئة العامة لقصور الثقافة

الجمعة، فبراير 11، 2011

أمل دنقل - أغنية الكعكة الحجرية (سفر الخروج)

(الإصحاح الأول)

أيها الواقفون على حافة المذبحة
أشهروا الأسلحة!
سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحة.
والدم انساب فوق الوشاح!
المنازل أضرحة،
والزنازن أضرحة،
والمدى.. أضرحة
فارفعوا الأسلحة
واتبعوني!
أنا ندم الغد والبارحة
رايتي: عظمتان.. وجمجمة،
وشعاري: الصباح!

(الإصحاح الثاني)

دقت الساعة المتعبة
رفعت أمه الطيبة
عينها..!
(دفعته كعوب البنادق في المركبة!)
… … … …
دقت الساعة المتعبة
نهضت؛ نسقت مكتبه..
(صفعته يد..
- أدخلته يد الله في التجربة!)
… … …
دقت الساعة المتعبة
جلست أمه؛ رتقت جوربه..
(وخزته عيون المحقق..
حتى تفجر من جلده الدم والأجوبة!)
… … … … …
دقت الساعة المتعبة!
دقت الساعة المتعبة!


(الإصحاح الثالث)

عندما تهبطين على ساحة القوم؛ لا تبدئي بالسلام.
فهم الآن يقتسمون صغارك فوق صحاف الطعام
بعد أن أشعلوا النار في العش..
والقش..
والسنبلة!
وغداً يذبحونك..
بحثاً عن الكنز في الحوصلة!
وغدا تغتدي مدن الألف عام.!
مدنا.. للخيام!
مدناً ترتقي درج المقصلة!

(الإصحاح الرابع)

دقت الساعة القاسية
وقفوا في ميادينها الجهمة الخاوية
واستداروا على درجات النصب
شجراً من لهب
تعصف الريح بين وريقاته الغضة الدانية
فيئن: "بلادي .. بلادي"
(بلادي البعيدة!)
… … …
دقة الساعة القاسية
"انظروا .."؛ هتفت غانية
تتلوى بسيارة الرقم الجمركي؛
وتمتمت الثانية:
سوف ينصرفون إذا البرد حل.. وران التعب.
… … … … …
دقت الساعة القاسية
كان مذياع مقهى يذيع أحاديثه البالية
عن دعاة الشغب
وهم يستديرون؛
يشتعلون - على الكعكة الحجرية - حول النصب
شمعدان غضب
يتوهج في الليل..
والصوت يكتسح العتمة الباقية
يتغنى لأعياد ميلاد مصر الجديدة!

(الإصحاح الخامس)

اذكريني!
فقد لوثتني العناوين في الصحف الخائنة!
لونتني.. لأني - منذ الهزيمة - لا لون لى..
(غير لون الضياع!)
قبلها؛ كنت أقرأ في صفحة الرمل..
(والرمل أصبح كالعملة الصعبة،
الرمل أصبح: أبسطة.. تحت أقدام جيش الدفاع)
فاذكريني؛.. كما تذكرين المهرب.. والمطرب العاطفي.
وكاب العقيد.. وزينة رأس السنة.
اذكريني إذا نسيتني شهود العيان
ومضبطة البرلمان
وقائمة التهم المعلنة
والوداع!
الوداع!

(الإصحاح السادس)

دقت الساعة الخامسة
ظهر الجند دائرة من دروع وخوذات حرب
ها هم الآن يقتربون رويداً.. رويداً..
يجيئون من كل صوب
والمغنون - في الكعكة الحجرية - ينقبضون
وينفرجون
كنبضة قلب!
يشعلون الحناجر،
يستدفئون من البرد والظلمة القارسة
يرفعون الأناشيد في أوجه الحرس المقترب
يشبكون أياديهم الغضة البائسة
لتصير سياجاً يصد الرصاص!..
الرصاص..
الرصاص..
وآه..
تغنون: "نحن فداؤك يا مصر"
"نحن فداؤ .."
وتسقط حنجرة مخرسة
معها يسقط اسمك - يا مصر - في الأرض!
لا يتبقى سوى الجسد المتهشم.. والصرخات
على الساحة الدامسة!
دقت الساعة الخامسة
… … …
دقت الخامسة
… … …
دقت الخامسة
… … …
وتفرق ماؤك - يا نهر - حين بلغت المصب!
* * *
المنازل أضرحة،
والزنازن أضرحة،
والمدى أضرحة،
فارفعوا الأسلحة!
ارفعوا الأسلحة!

* الأعمال الكاملة لأمل دنقل - مكتبة مدبولي

السبت، فبراير 05، 2011

أحمد فؤاد نجم - شيّد قصورك

شيّد قصورك عَ المزارع
من كَدّنا وعمل إيدينا

والخمارات جنب المصانع
والسجن مطرح الجنينه

وأطلق كلابك في الشوارع
واقفل زنازينك علينا

وقلّ نومنا في المضاجع
آدي إحنا نمنا ما اشتهينا

واتقل علينا بالمواجع
إحنا اتوجعنا واكتفينا

وعرفنا مين سبب جراحنا
وعرفنا روحنا والتقينا

عمال وفلاحين وطَلَبه
دقّت ساعتنا وابتدينا

نُسلك طريق ما لهش راجع
والنصر أقرب من عينينا

النصر أقرب من إيدينا

* الأعمال الكاملة لأحمد فؤاد نجم - دار ميريت
** الأغنية بصوت الشيخ إمام عيسى

الخميس، يناير 27، 2011

وش مصر – زين العابدين فؤاد

وشك عليه الطين تـُلول
وشىِّ ما داقشِ النور سنه
شيلت الهرم على غنوتى.. صوتى انـْتـَنـَى
زادت على صدرى الحُـمُـول
يا مصر يا أم الغُـزْ... يا أم السَّـلـْطنة
فاتوا الشراكسة الحُـمْر فى ترابك
والانجليز.. والترك.. والمماليك
وبإيد حديد بيقفَّـلوا ابوابك
وبإيد نحاس بِيمَسْمَروا الشبابيك
وأنا تحت شباكك.. بابيع الحُبْ مع الصِّينى
والطين على جبينى
ما انا إبن طين طينك
ياما نفسى ألقاكى.. وتلقينى
أصرُخ.. تُضمِّينى
أضحك، تِفرْ الدمعة من عينك.. على عينى
ياما نفسى أشوف وشك.. وأشوف عينكْ
لفِّيت ما خلِّيتك
لفيت.. ولا لقيتك
فى الاهرامات، فى البرج ما لقيتك
فى أبوابك السته
باب الوزير.. أخضر.. وله قُبةَّ
باب الفتوح مقفول.. وباعوا القفل فى العَتَبَة
ووصلت باب النصر.. لَفوا الحبل ع الرقبة
لفيت ما خلِّيتك
وسألت عميّان البلد عَنِّك
عن طريق بيتك
لفيت.. ولا لقيتك


صرخ الهرم فيهّ.. وقال.. وشك حجر
وشك ملك بسبع سيوف
وسبع قصور.. وألف غَفَر
وشك عنب من غير قُطوف
لا بينهضم ولا ينْعَصَر
يا مصر.. يام القهر.. والطين.. والشجر
وقالولى عاليه وسلمك عالى
وقالولى ساكنة فى السما السابعه
وقالولى وشك سُتُّميت شمعه
يا منَّوره القلعة
وازاى أشوف وشك ؟
وأوِّلْ طلوعك سلْم القلعة
فى جِبِة الوالى
والوالى بيغشِّك
عينه على فّرْشِك... على قِرْشِك
والملتزمْ على كتفه سَيّافُه
وأنا نفسى أشوفك وشك


الملتزمْ فوق الحصان
اِتْفَقِّلت كل البيبان
الملتزمْ حَيْعَدىِّ يا جدعان
وخيال من الحاره مَرَقْ
فى الكف خنجر موت برَقْ
أرشق يا خنجر فى الحشا واعشَقْ
وف صدر أفندينا انحِشرْ.. وأرشَقْ


والملتزمْ تحت الحصان
اتفتَّحتْ كل البيبان
وف دمعه كان وشك بِيِتْبَسِّم
كرباجه كان فى اللحم بيعلِّم
كرباجه.. وحصانه.. وسيف سيفه
مرمى على أرضك مع رغيفُه
يا أم الرغيف مقسوم لستِّ ولاد


1964

* من ديوان "صفحة من كتاب النيل"

الأحد، يناير 16، 2011

محمود درويش - رحلة المتنبي إلى مصر

للنيل عاداتٌ
وإني راحلُ
أمشي سريعاً في بلادٍ تسرقُ الأسماءَ منِّي
قد جئتُ من حَلَبٍ، وإني لا أعود إلى العراقِ
سَقَطَ الشمالُ فلا أُلاقي
غير هذا الدرب يَسَبُني إلى نفسي.. ومصر
كم اندفعتُ إلى الصهيلْ
فلم أجدْ فَرَساً وفرساناً
وأسْلَمَني الرحيلُ إلى الرحيلْ
ولا أرى بلداً هناك
ولا أرى أحداً هناك
الأرضُ أصغُر من مرور الرمح في خصرٍ نخيلْ
والأرضُ أكبرُ من خيام الأنبياءِ
ولا أرى بلداً ورائي
لا أرى أحداً أمامي
هذا زحامٌ قاحلُ
والخطو قبل الدرب، لكنَّ المدى يتطاولُ

للنيل عاداتٌ
وإني راحلُ

وطني قصيدْتيَ الجديدةُ
أمشي إلى نفسي فتطردني من الفسطاط
كم ألجُ المرايا
كم أُكسرها
فتكسرني
أرى فيما أرى دُوَلاَّ تُوَزَّعُ كالهدايا
وأرى السبايا في حروب السبي تفترس السبايا
وأرى انعطافَ الانعطاف
أرى الضفاف
ولا أرى نهراً.. فأجري
وطني قصيدتيَ الجديدةُ
كيف أدرى
أنَّ صدرى ليس قبري
كيف أدري
أن أضلاعي سياجُ الأرضِ أو شَجَرُ الفَضَاءِ وقد تَدَلَّى
كيف أدري
أنَّ هذا الليلَ قد يُدمي

فأرمي القلبَ من سَأمي إلى عَسَسِ الأميرِ
وقد تساوى الحبلُ والمحكومُ
هل وطني قصيدتي الجديدةُ؟
هَيْتَ لَكْ
ما أجملَكْ
الليلُ ليليٌّ، وهذا القلبُ لَكْ
لا الحبُّ ناداني
ولا الصفصافُ أغراني بهذا النيل كي أغفو
ولا جَسَدٌ من الأنبوس مَزَّقني شظايا

أمشي إلى نفسي
فتطردني من الفسطاط
كم ألج المرايا
كم أُكسِّرها
فتكسرني
أرى دُوَلاّ تُوزَّعُ كالهدايا
والنهرُ لا يمشي إليَّ، فلا أراهُ
والحقلُ لا ينضو الفراش على يديَّ، فلا أراهُ
لا مصر في مصر التي أمشي إلى أسراها
فأرى الفراغ، وكُلَّما صافحتُها
شَقَّتْ يدينا بابلُ
في مصر كافورٌ.. وفي زلازلُ


للنيل عاداتٌ
وإنَّي راحلُ

حَجَرٌ أنا
يا مصر، هل يصلُ اعتذاري
عندما تتكدسين على الزمان الصعب أصعبَ مِنْهُ؟
خطوي فكرتي
ودمي غباري
هل تتركين النهر مفتوحاً لمن يأتي
ويهبط من مراكبه إلى فخدين من عاج وعرش
هل يكون العرشُ قبل الماء؟
لا أدري، ولكن.. ربما.. هيهات.. قد..
لا يصعدون السُلَّم الحجريَّ والأهرامَ كالحلزون
يغتصبون، يغتصبون..
أعرفُ أنني أمتصُّ فيكِ الغزوَ
أعرف أنني لا أعرف السرَّ الدفينَ
وأنني صِفْرُ اليدين وسائرِ الأعضاءِ
أعرف أنني سَأمُرُّ في لمح الوطنْ
وأذوبُ في الغزوات والغزوات
لكنْ كُلَّما حاولتُ أن أبكي بعينيكِ
التفتِّ إلى عَدُوِّي
فالتصقتُ بما تبقَّى منكِ أو منِّي، وأدركَني الزمنْ..
هل تتركين النيل مفتوحاً
لأرمي جُثَّتِي في النيل؟
لا لن يستبيح الكاهنُ الوثنيُّ زوجاتي
ولا، لن أبنيَ الأهرام ثانيةً، ولا
لن أنسج الأعلام من هذا الكفن
من يفتديني، يا مُعَذَّبتي، بمنْ؟
ولمنْ؟
تمضين حافيةً لجمع القطن من هذا الصعيد
وتسكتين لكي يضيع الفرقُ بين الطين والفلاَّح
في الريف البعيد
وتجفُّ في دمك البلابل والذرهْ
ويطول فيك الزائلُ

للنيل عاداتٌ
وإني راحلُ
هل غادرَ الشعراءُ مصرَ؟ ولن يعودوا..
إنَّ أرضَ الله ضَيِّقةٌ، وأضيقَ من مضائقها الصعودُ
على بساط الرمل..
هل من أجل هذا القبر نامتْ مصرُ في الوادي
كأنَّ القبر سَيِّدُها؟
بلادٌ كُلَّما عانقُتها فَرَّتْ من الأضلاع
لكنْ كُلَّما حاولتُ أن أنجو من النسيان فيها
طاردتْ روحي
فصارتْ كُلُّ أرضِ الشام منفى
كلما انبجسَتْ من القلب المهاجر لحظةُ امرأةٍ
وعانقتُ الحبيبةَ أصبحتْ ذكرى
ونفسي تشتهي نفسي ولا تتقابلان
ولا تُردَّان التحية في طريقهما إليَّ..
..إليَّ يا طُرُقَ الشمال
نسيتُ أن خطاي تَبْتَكِرُ الجهاتِ
وأبجديَّاتِ الرحيل إلى القصيدة واللهبْ
يا مصرُ’ لن آتيكِ ثانيةً..
ومَن يترك حَلَبْ
ينس الطريق إلى حلبْ
وأنا أسيرٌ حَرَّرَتْهُ سلاسلُ
وأنا طليقٌ قَيَّدَتْهُ رسائلُ

للنيل عاداتٌ
وإني راحلُ

..وإلى اللقاء إذا استطعتُ
وكلُّ من يلقاكِ يخطفه الوداعُ
وأُصيب فيكِ نهاية الدنيا ويصرعني الصراعُ
والقرمطيُّ أنا. ولكنَّ الرفاقَ هناك في حَلَبٍ
أضاعوني وضاعوا
والرومُ حول الضاد ينتشرون
والفقراء تحت الضاد ينتحبون
والأضدادُ يجمعهم شراعٌ واحِدٌ
وأنا المسافُر بينهم. وأنا الحصارُ. أنا القلاعُ
أنا ما أُريد ولا أُريد
أنا الهدايةُ والضياعُ
وتشابُهُ الأسماء فوق السُلَّم الملكيِّ
لولا أن كافوراً خداعُ

ماذا جرى للنيل؟
لم يأخُذْ دموعي
في اتجاه مَصَبِّها
ماذا جرى للنيل؟
لم يقذفْ ربيعي
قُرْبَ عمري،
والقلوبُ هنا مشاعُ..

ماذا جرى للنيل
لم يعتبْ
ولم يغضبْ
عليَّ
وفي صحاريَّ اتساعُ..
وسُكُونُ مصرَ يَشُقُّنِي:
هذا هو العبدُ الأميرُ
وهذه الناسُ الجياعُ
والقرمطيُّ أنا، أبيعُ القصرَ أُغنيةً
وأهدِمُهُ بأُغنيةٍ
وأسندُ قامتي بالريح والروح الجريح
ولا أُباعُ
الآن أُشْهِرُ كُلَّ أَسئلتي
وأسالُ: كيف أسألُ؟
والصراعُ هو الصراعُ
والروم ينتشرون حول الضاد
لا سيفٌ يطاردهم هناك ولا ذراعُ
كُلَ الرماح تُصِيبُني
وتُعيدُ أسمائي إليّ
وتعيدني منكم إليّ
وأنا القتيل القاتلُ

للنيل عاداتٌ
وإني راحلُ



* ديوان حصار لمدائح البحر - الأعمال الكاملة - المجلد الثاني - دار رياض الريس