الخميس، يونيو 10، 2010

صلاح عبد الصبور - تأملات ليلية

(1)
أبحرت وحدي في عيون الناس والأفكار والمدن
وتهت وحدي في صحارى الوجد والظنون
غفوت وحدي، مشرع القبضة، مشدود البدن
على أرائك السعف
طارق نصف الليل في فنادق المشردين
أو في حوانيت الجنون
سريت وحدي في شوارع لغاتها، سماتها، عماء
أسمع أصداء خطاي
ترن في النوافذ العمياء
وطرت بين الشمس والسحابة
ونمت في أحضان ربة الكتابة
لكنني، هذا المساء
(ممدداً ساقيّ في مقعدي المألوف)
أحس أني خائف
وأن شيئاً في ضلوعي يرتجف
وأنني أصابني العيّ، فلا أبين
وأنني أوشك أن أبكي
وأنني
سقطت
في
كمين

(2)
وكأني قطعة صخر
تهتف بالأقدام
رديني في كتف الجبل الجرداء
أو في حضن الأغوار المهجورة
وخذيني من أرصفة الطرقات
وزنزانات السجن المتسخة
وأعتاب الخمارات
وكأني كومة رمل
تهتف بالأيدي:-
ذريني فوق شطوط البحر
ألقيني جنب طيور الزبد البيضاء
صونيني عن آنية الزرع الشمعي
أو عن طرق الأمراء
وكأني نهر
يهتف بالمجرى:ـ
أرجعني للقمم البيضاء
حتى لا يشربني الحمقى والجهلاء

(3)
أين أعلق تذكاراتي؟
والحائط منهار
أين أسمر حزني، شغفي
أفراحي، ولهي، لهفي
والحائط منهار
يا أيتها الأمسية الصيفية
ردي عني أنسام النسيان
أو فاعطيني صندوقاً من كلمات
كي أخْزن فيه بعض المقتنيات
يا أسفي
هربت مقتنياتي كالطير الهيمان
تذكاراتي ارتفعت نحو الآفاق الغيمية
حبلاً من دخان

(4)
الظلمة تهوى نحو الشرفة
في عربتها السوداء
صلصلة العجلات الوهمية
تتردد في الأنحاء
خدم الظلمة والأجراء
طافوا من حول المركبة الدخانية
يلقون بذور الوجد الخضراء
عينا القمر اللبنى الشاحب
بكتا مطراً فوق جبيني المتعب
بكتا حتى ابتل الثوب
آه، يلذعني البرد
فلأهرع للغرفة
لم أدرك أني عريان
إلا الآن

(5)
أرتد إلى هذي الفكرة كل مساء
مثل صدى يرتد إلى الصوت
مثل النهر إلى البحر
تتشكل أحياناً في أقنعة
متشابهةٍ، متغيرةٍ، كالأيام
أو كالموت
تتجول في جسمي مثل دمي
تلذعني أحياناً في عيني
إذ أنزف
أو في قدمي
إذ أتوقف
تبغي أن تعرفها يا جاسوس الوقت؟
لا، إني أكتمها عنك
بل إني في الحق
لا أعرف كيف أعبر عنها لك

(6)
لا شيء يعينك .. لا شيء يعينك
لا شيء يعينك .. لا شيء يعين
لا شيء يعينك .. لا شيء
لا شيء يعينك
لا شيء
لا

تأملات ليلية .. ديوان أحلام شجر الليل 1973 الأعمال الكاملة المجلد الثالث .. دار العودة بيروت

ليست هناك تعليقات: