الأحد، أكتوبر ١٧، ٢٠١٠

أمل دنقل - لا وقت للبكاء

لا وقت للبكاء
فالعلم الذى تنكسينه.. على سرادق العزاء
منكس فى الشاطئ الآخر،
والأبناء..
يستشهدون كى يقيموه.. على "تبة"،
العلم المنسوج من حلاوة النصر ومن مرارة النكبة
خيطاً من الحب.. وخيطين من الدماء
العلم المنسوج من خيام اللاجئين للعراء
ومن مناديل وداع الأمهات للجنود:
فى الشاطئ الآخر..
ملقى فى الثرى
ينهش فيه الدود،
ينهش فيه الدود.. واليهود
فانخلعى من قلبك المفئود
فها على أبوابك السبعة، يا طيبة..
يا طيبة الأسماء:
يُقْعَى أبو الهول،
وتُقعى أمة الأعداء
مجنونة الأنياب والرغبة..
تشرب من دماء أبنائك قربة.. قربة
تفرش أطفالك فى الأرض بساطاَ..
للمدرعات والأحذية الصلبة
وأنت تبكين على الأبناء،
تبكين؟
يا ساقية دائرة ينكسر الحنين..
فى قلبها، ونيلك الجارى على خد النجوع
مجرى دموع
ضفافه: الأحزان والغربة،
تبكين؟ من تبكين؟
وأنت ـ طول العمر ـ تشقين، وتحصدين..
مرارة الخيبة
وأنت ـ طول العمر ـ تبقين، وتنجبين..
مقاتلين.. فمقاتلين.. فى الحلبة

*

الشمس (هذه التى تأتى من الشرق بلا استحياء)
كيف ترى تمر فوق الضفة الأخرى..
ولا تجئ مطفأةْ؟
والنسمة التى تمر فى هبوبها على مخيم الأعداء
كيف ترى نشمها.. فلا تسد الأنف؟
أو تحترق الرئة؟
وهذه الخرائط التى صارت بها سيناء
عبرية الأسماء
كيف نراها.. دون أن يصيبنا العمى؟
والعار.. من أمتنا المجزأة؟
.. والطفلة الصغيرة العذبة
تطلق ـ فوق البيت ـ "طيارتها" البيضاء
كيف ترى تكتب فى كراسة الإنشاء
عن بيتها المهدوم فوق الأب.. واللعبة ؟
وأمى التى تظل فى فناء البيت منكبة
مقروحة العينين، مسترسلة الرثاء
تنكث بالعود على التربة:
رأيتها: الخنساء
ترثى شبابها المستشهدين فى الصحراء
رأيتها: أسماء
تبكى ابنها المقتول فى الكعبة،
رأيتها: شجرة الدر..
ترد خلفها الباب على جثمان (نجم الدين)
تعلق صدرها على الطعنة والسكين
فالجند فى الدلتا
ليس لهم أن ينظروا إلى الوراء
أو يدفنوا الموتى
إلا صبيحة الغد المنتصر الميمون

... ... ...

(.. والتين والزيتون
وطور سنين، وهذا البلد المحزون
لقد رأيت يومها: سفائن الإفرنج
تغوص تحت الموج
وملك الإفرنج
يغوص تحت السرج
وراية الإفرنج
تغوص، والأقدام تفرى وجهها المعوج،
.. وهأنا ـ الآن ـ أرى فى غدك المكنون:
صيفا كثيف الوهج
ومدناً ترتج
وسفناً لم تنج
ونجمة تسقط ـ فوق حائط المبكى ـ إلى التراب
وراية (العُقاب)
ساطعة فى الأوج ..)

*

والتين والزيتون
وطور سنين، وهذا البلد المحزون
لقد رأيت ليلة الثامن والعشرين..
من سبتمبر الحزين:
رأيت فى هتاف شعبى الجريح
(رأيت خلف الصورة)
وجهك.. يا منصورة،
وجه لويس التاسع المأسور فى يدى صبيح

... ... ...

رأيت فى صبيحة الأول من تشرين
جندك.. يا حطين
يبكون،
لا يدرون..
أن كل واحد من الماشين
فيه.. صلاح الدين!

28 سبتمبر 1970

ديوان تعليق على ما حدث - أمل دنقل الاعمال الشعرية - مكتبة مدبولي

الخميس، سبتمبر ١٦، ٢٠١٠

محمود درويش - نزل على البحر

نُزْلٌ على بحرٍ : زيارتُنا قصيرهْ
وحديثُنا نُقَطٌ من الماضي المهشم منذ ساعهْ
من أيِّ أبيض يبدأ التكوينُ؟
أنشأْ جزيره
لجنوب صرختنا. وداعاً يا جزيرتنا الصغيرهْ

لم نأتِ من بلدٍ إلى هذا البلدْ
جئنا من الرُّمَّان، من سرِّيس ذاكرةٍ أتينا
من شظايا فكرةٍ جئنا إلى هذا الزبدْ
لا تسألونا كم سنمكث بينكم، لا تسألونا
أيَّ شيء عن زيارتنا. دعونا
نفرغُ السفَنَ البطيئة من بقيَّة روحنا ومن الجسدْ
نُزْلٌ على بحرٍ: زيارتنا قصيرهْ
والأرضُ أصغر من زيارتنا. سنرسل للمياهِ
تُفَّاحةً أخرى، دوائَر، أين نذهبُ
حين نذهبُ؟ أين نرجعُ حين نرجعُ؟ يا إلهي
ماذا تبقَّى من رياضة روحنا ؟ ماذا تبقَّى من جهاتِ
ماذا تبقَّى من حدود الأرض ؟ هل من صخرةٍ أَخرى
نُقَدِّم فوقها قربانَ رحمتك الجديدْ؟
ماذا تبقَّى من بقايانا لنرحلَ من جديد؟

لا تُعطِنا، يا بحرُ، ما لا نستحقُّ من النشيد

للبحر مهنتهُ القديمهْ:
مدٌّ وجزرٌ،
للنساء وظيفةٌ أولى هي الإغراءُ،
للشعراء أن يتساقطوا غمّاً
وللشهداء أن يتفجروا حُلُماً
وللحكماء أن يستدرجوا شعباً إلى الوهم السعيدْ

لا تُعطِنا، يا بحرُ، ما لا نستحقُّ من النشيدْ

لم نأتِ من لُغة المكان إلى المكانْ
طالت نباتاتُ البعيدِ وطالَ ظلُّ الرمل فينا وانتشرْ
طالت زيارتنا القصيرةُ. كم قمرْ
أهدى خواتمهُ إلى مَنْ ليس منَّا. كم حجرْ
باضَ السنونو في البعيد وكم سنهْ
سننام في نُزْلٍ على بحرٍ وننتظر المكانْ
ونقول: بعد هنيهة أخرى سنخرج من هنا
متنا من النومِ، انكسرنا ههنا
أفلا يدوم سوى المؤقَّت يا زمان البحر فينا؟
لا تُعطِنا، يا بحرُ، ما لانستحقُّ من النشيدْ

ونريد أن نحيا قليلاً، لا لشيءٍ
بل لنرحل من جديدْ
لا شيء من أسلافنا فينا ولكنَّا نريدْ
بلادَ قهوتنا الصباحيّهْ
ونريدُ رائحة النباتات البدائيهْ
ونريدُ مدرسةً خصوصيهْ
ونريد مقبرةً خصوصيهْ
ونريد حريّهْ
في حجمِ جمجمةٍ.. وأغنيَّهْ

لا تُعطِنا، يا بحرُ، ما لا نستحقُّ من النشيدْ

.. ونريد أن نحيا قليلاً كي نعود لأيِّ شيء
لم نأتِ كي نأتي..
رمانا البحرُ في قرطاجَ أصدافاً ونجمهْ
من يذكر الكلمات حين توَهَّجتْ وطناً
لمن لا بابَ لَهْ؟
مَنْ يذكُر البدو القدامى حينما استولوا على الدنيا.. بكلمهْ؟
من يذكر القتلى وهم يتدافعون لفضِّ أسرار الخرافهْ؟
ينسوننا، ننساهُمُ، تحيا الحياةُ حياتها
من يذكر الآن البداية والتتمهْ؟
ونريد أن نحيا قليلاً كي نعود لأيَّ شيء
أيِّ شيءٍ
أيِّ شيءٍ
لِبدايٍة، لجزيرةٍ، لسفينةٍ، لنهايةٍ
لأِذان أرملةٍ، لأقبيةٍ، لخيمهْ
طالت زيارتنا القصيرهْ،
والبحر فينا مات من سَنَتَيْنِ.. مات البحرُ فينا

لا تعطنا يا بحر، ما لا نستحقُّ من النشيدْ.


ديوان هي أغنية هي أغنية - الأعمال الكاملة لمحمود درويش - الأعمال الأولى - المجلد الثالث - دار رياض الريس

الثلاثاء، سبتمبر ١٤، ٢٠١٠

محمد كُشيك - النهار ده

أنا حزين النهار ده
زَغزَغت روحى لقيتها ما بتضحَكش
ورفعت راسى لفوق
الابتسام ما طالكش
والقافية هربانة مِنّى والله ما عرف فين
ألفين عروسه فى بالى بيرقصوا حافيين
سرقونى وانا عريان
.. المزلقان على ناصية الشارع
والأجزاخانه فى آخر العِنوان
.. دَلدَقت عقلى فى برطمان ضايع
وقفَلت بالغطيان
أطياف من التخاريف وريف أخضَر
وبَرَاح بيفتَح جَرح فى الجدران
أفران بتغلِى تحت قفطانى
وبلّورات بتطير و شافطانى
.. أنا الأسير فى الضباب


* محمد كُشيك - العشش القديمة - الهيئة العامة للكتاب

الأحد، أغسطس ٢٩، ٢٠١٠

عبد الرحمن الأبنودي - وجوه على الشط - مقطع من (في بلاد التهجير)

أخضر يا ورق النعناع
أبيض يا زهر التفاح
صوتك ليه في الجو حزين يا ديك الصبح .. ؟
ليه .. ؟ مع إن صباحنا أحلى صباح .. ؟
يا لله يا ناس بينا عَ الأرض ..
يا لله يا بو القردان خلفي ..
واتمخطر تاني زي زمان.
لسه في الأرض ديدان يا بو القردان.
وحتفضل طول الدنيا .. الأرض ..
يكون فيها ديدان.
إنشالله ولعت شظو ودْان..
راح نزرع فيها يا بو القردان
وانتَ تنقي الديدان.
مهما الموت طلَّع مصارين الأرض ..
برضه حييجي بكره ..
وبرضه حيزرعها الإنسان.
إتسعْري يا حرب.
هاتي كل ما عندك.
أنا والأرض ..
مش ممكن حنسيب بعض.


* ديوان وجوه على الشطّ - الهيئة العامة للكتاب - عام 1975 (مكتبة الأسرة - سلسلة الأدب - مختارات من الشاعر عبد الرحمن الأبنودي - 2006)