الأحد، يونيو ٠٥، ٢٠١١

صلاح عبد الصبور : أغنية للشتاء

ينبئني شتاء هذا العام
أنني أموت وحدي
ذاتَ شتاء مثله, ذات شتاء
يُنبئني هذا المساء أنني أموت وحدي
ذات مساء مثله, ذات مساء
و أن أعوامي التي مضت كانت هباء
و أنني أقيم في العراء
ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي
مرتجف بردا
و أن قلبي ميت منذ الخريف
قد ذوى حين ذوت
أولُ أوراق الشجر
ثم هوى حين هوت
أول قطرة من المطر
و أن كل ليلة باردة تزيده بُعدا
في باطن الحجر
و أن دفء الصيف إن أتى ليوقظه
فلن يمد من خلال الثلج أذرعه
حاملة وردا
ينبئني شتاء هذا العام أن هيكلي مريض
و أن أنفاسيَ شوك
و أن كل خطوة في وسطها مغامرة
و قد أموت قبل أن تلحق رِجلٌ رِجلا
في زحمة المدينة المنهمرة
أموت لا يعرفني أحد
أموت لا يبكي أحد
و قد يُقال بين صحبي في مجامع المسامرة
مجلسه كان هنا, و قد عبر
فيمن عبر
يرحمُهُ الله
ينبئني شتاء هذا العام
أن ما ظننته شفاىَ كان سُمِّي
و أن هذا الشِعر حين هزَّني أسقطني
و لستُ أدري منذ كم من السنين قد جُرحت
لكنني من يومها ينزف رأسي
الشعر زلَّتي التي من أجلها هدمتُ ما بنيت
من أجلها خرجت
من أجلها صُلبت
و حينما عُلِّقتُ كان البرد و الظلمة و الرعدُ
ترجُّني خوفا
و حينما ناديته لم يستجب
عرفتُ أنني ضيَّعتُ ما أضعت
ينبئني شتاء هذا العام أننا لكي نعيش في الشتاء
لابد أن نخزُنَ من حرارة الصيف و ذكرياتهِ
دفئا
لكنني بعثرتُ في مطالع الخريف
كل غلالي
كل حنطتي, و حَبِّي
كان جزائى أن يقول لى الشتاء انني
ذات شتاء مثله
أموت وحدي
ذات شتاء مثله أموتُ وحدي


ديوان أحلام الفارس القديم الأعمال الكاملة لصلاح عبد الصبور .. المجلد الأول .. دار العودة

الأحد، مايو ٢٩، ٢٠١١

محمود عزت - قنديل السينما

كانت الأسماك تتجول حولنا في السينما
تتجمع وتتفرق في مجموعات صغيرة
بينما تمضغين الفِشار كقط صغير يحملق في الشاشة
يرفع يده إلى الكيس الذي في يدي ببطء
ثم إلى فمه الصغير كالخاتم
كأنه يتثاءب
هكذا طوال الفيلم
أسمع صوت الفشار في فمكِ
فتطفو على روحي سحابة لبنيّة
نصعد برفق إلى السطح
ثم تطير
تحمل سمكة صغيرة وتطير
إلى أن أخطأت أناملك تقدير المسافة
ثم هبطت على كفي
فأضأتُ في الظلام
توهجت عظامي للحظةٍ كقنديل البحر
حين تمر أمامه السمكة الساهية، 
التي تسبح دون أن تفتح أكثر من نصف العين
وتجدف بذيلها دون رغبة
تمر.. فيضئ قنديل البحر من قلبه
يضئ من داخله
كمصباح تذكر فجأة
كعمود نور انتبه إلى مارة غريبة
في الشارع المظلم
فبَرْبَش مرتين ثم أضاء
كانت الأسماك الصغيرة تتجول حولنا
وبينما كنتِ تحدقين في الشاشة كالقط الصغير
يمضغ الفشار ويتثاءب وتفتش مخالبه الناعمة عن الكيس
كنت جواركِ في العتمةِ
انطفِأُ وأُضئ
انطفِأُ وأضئ.

* عن الكائنات النظيفة - دار ميريت - 2010

الاثنين، مايو ١٦، ٢٠١١

محمود درويش - لي حكمة المحكوم بالإعدام

ليَ حكمةُ المحكوم بالإعدامِ:
لا أشياءَ أملكُها لتملكني،

كتبتُ وصيَّتي بدمي:

"ثِقُوا بالماء يا سُكّان أُغنيتي!"

ونِمْتُ مُضرّجاً ومتوَّجاً بغدي...

حلِمْتُ بأنّ قلب الأرض أكبرُ

من خريطتها،

وأوضحُ من مراياها ومِشْنَقتي.

وهِمْتُ بغيمةٍ بيضاء تأخذني

الى أعلى

كأنني هُدْهُدٌ، والريحُ أجنحتي.

وعند الفجر، أَيقظني

نداءُ الحارس الليليِّ

من حُلْمي ومن لغتي:

ستحيا ميتةً أخرى،

فعدِّلْ في وصيّتك الأخيرة،

قد تأجَّل موعدُ الإعدام ثانيةً

سألت: الى متى؟

قال: أنتظر لتموت أكثر

قلتُ: لا أشياء أملكها لتملكني

كتبتُ وصيّتي بدمي:

"ثِقُوا بالماء

يا سُكّان أغنيتي!"

وأنا، وإن كنت الأخير

وأنا، وإن كُنْتُ الأخيرَ

وجدْتُ ما يكفي من الكلماتِ...

كلُّ قصيدةٍ رسمٌ

سأرسم للسنونو الآن خارطةَ الربيعِ

وللمُشاة على الرصيف الزيزفون

وللنساء اللازوردْ...

وأنا، سيحمِلُني الطريقُ

وسوف أحملُهُ على كتفي

الى أن يستعيدَ الشيءُ صورتَهُ،

كما هي،

واسمَه الأصليّ في ما بعد/

كلُّ قصيدة أُمٌّ

تفتش للسحابة عن أخيها

قرب بئر الماء:

"يا ولدي! سأعطيك البديلَ

فإنني حُبْلى..."/

وكُلُّ قصيدة حُلمٌ:

"حَلِمْتُ بأنّ لي حلماً"

سيحملني وأحملُهُ

الى أن أكتب السطر الأخيرَ

على رخام القبرِ:

"نِمْتُ... لكي أطير"

... وسوف أحمل للمسيح حذاءَهُ الشتويَّ

كي يمشي، ككُلِّ الناس،

من أعلى الجبال... الى البحيرة


* من ديوان لا تعتذر عما فعلت - الأعمال الكاملة الجديدة المجلد الأول - دار رياض الريس

الاثنين، مايو ٠٩، ٢٠١١

مجدي نجيب - رسائل قصيرة إلى العصفور الأسمر

غنّى البلبل في ضلوعي
نزلت كل دموعي
نزلت فوق أسوار الرؤيا وباش الحزن
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


الليل مركبنا
والبحر كلامنا .. وملاحنا ..
نجم صغيّر أد العصفور
ورقيّق .. زي العصفور
ويحب النور
وإن شاف الموج محتار م الرعب ..
يطلع ويغني ..
ويصحّي .. ألف نهار
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


دايمًا باحلم بإيدينا بتحضن بعض
واحنا بنجري وسط الشارع ..
وعيون الشارع فوانيس م الورد
والمطر نازل سلالمُه ..
والقمر حاضن صحابُه
والنجم واقف ع الجدار
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


أنا في الأوده البردانه ..
راسي على كتفك ..
وانتي .. في اللحظه الدفيانه
راسك على كتفي
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


شفتك في عيون الناس
وشافوني الناس في عنيكي
طِلع الليل يدّن
سِكر الصبح المحتار
يا حبيبتي
هاتي إيدك نهرب تحت الأمطار


النهارده الصبح
كنت ماشي في الطريق
الشمس مونساني
زي ما تكون الصديق
والمدينه كلها
حاضنه أشواقي الكتيره
للأميره
ليكي إنتي
ياللي ابتسامتك
نغم حالم على وش النهار
فين إيدك نهرب
تحت الأمطار


المطر حرّك إيديه ..
المطر جوّايا
المطر جرّح عينيه ..
المطر جوّايا
المطر غرّقني ليه؟!
المطر جوّايا
خدني بقلبي
سلّمني للمسافات
وفضلت ماشي وانتي جنبي
وتهنا في الحكايات

واحشاني
الراديو والصوت الدافي
والصور اللي بيجري فيها اللون هربان م الضلّ الإسود
.. والنظره الصفصافي
والإيد اللي بتحيي الورد الأبيض


في الشتويه
طار العصفور الأسمر
حط العصفور الأسمر
وشفايفه ..
حاضنه الدنيا الورديه
الفرع الأخضر
إتحنّى بطعم البرد
وفضلت ماشي وانتي جنبي
وتهنا في الحكايات



* ديوان "الحب في زمن الحرب"